سورة القصص
الجزء ١٣ · صفحة ٢٦٠ب) - ثنىّ الله في امتنانه بظاهرة النّهار مع فرضية استمراره إلى يوم القيامة، وفي ضدّه جاء قوله تعالى: (مَنِ اِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَاتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ)، فيلاحظ أنه تعالى عبّر في الضّدّ بلفظ اللّيل، عوضا عن مقابلة الضّياء بالظّلام كما يقتضي تقابل الأضداد، ثم خصّص بالذّكر لمنافع اللّيل "السّكون" وبضمير العقلاء: (تَسْكُنُونَ)، وذلك لأنّ هناك حيوانات لا تتحرّك إلاّ باللّيل كالخفّاش والبوم وغيرهما كثير، فنعمة السّكون في اللّيل لراحة أجسامنا لا تقدّر بقيمة، ولا تتحقّق بأيّ نوم آخر في صحيح الحركة بالنّهار، واختيار لفظ اللّيل هو أنسب بالظّاهرة الكونية التي هي من تقدير الله وصنعه؛ لأنّ الإتيان بلفظ "الظّلام" هنا لا تتمّ به منّة الله على خلقه لأنّه تعالى يعلم أنّ نور القمر والنّجوم تخترق ظلمة اللّيل وأنّ الخلق سوف يحوّلون ظلمة اللّيل إلى نهار اصطناعيّ في حواضرهم بما يكتشفونه من المصابيح الكهربائية.
وفي التّفريع على كلّ استدلال جاء بما يناسب من حاستي السّمع والبصر، فناسب لليل حاسة السّمع فقال: (اَفَلاَ تَسْمَعُونَ)، وناسب للنّهار حاسّة البصر فقال: (أَفَلاَ تُبْصِرُونَ).
ثم لخّص الله منّته العظمى فجمع الظّاهرتين وما لكلّ منهما من النّفع على طريقة اللّفّ والنّشر المرتّب فقال جلّ من قائل: (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
(مِن): تبعيضية، إذ أنّ تعاقب اللّيل والنّهار على النّاس هو إحدى النّعم الكثيرة التي لا تحصى عدّا، والتي هي أدعى للتدبّر الواعي الذي يبعث على الشّكر للمنعم وأنّه المستحقّ للعبادة وحده، وتقديم الجار والمجرور على عاملهما هو لمزيد الاهتمام على منّة الله ورحمته.