سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٢٨٤ب) - (أَمْ حَسِبْتُمُ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ معَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214).
وفي معنى هذه الآية الثّانية من بيان سنة الله في خلقه بالفتون لأجل الإيمان يقول الحق هنا: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)، أخبر الله مؤكّدا الجملة بلام القسم وحرف التّحقيق تسلية للمؤمنين الذين فتنوا بأنهم ليسوا بدعا ممن سبقوهم في الإيمان، وفي مقدمتهم الأنبياء والرّسل، امتحنهم الله بأنواع من الشّدائد والبلايا.
وإسناد الإفتان إلى نون العظمة هو إسناد مجازي، على اعتبار أنّ الله هو خالق الأسباب ومقدّرها في حالتي الابتلاء بالفتنة أو العصمة منها، وهذه الجملة حالية من الجملة السّابقة لتكون محلّ الاعتبار والتّأسّي، وبما أنّ لكلّ موقف جزاءه عند الله -وهو أعلم به من قبل أن ينكشف للناس صدقه أو كذبه-، فهو الذي يجازي كلّ أحد على نوعية إيمانه، أي إنّ علمه تعالى بذلك متقرّر في الأزل قبل نزول الفتون، ويقول الإمام ابن عاشور في مبنى هذه الآية: "وتعريف المتّصفين بصدق الإيمان بالموصول والصّلة الماضية لإفادة أنهم اشتهروا بحدثان صدق الإيمان وأنّ صدقهم محقّق، وأمّا تعريف المتصفين بالكذب بطريق التّعريف باللاّم وبصيغة اسم الفاعل فلإفادة أنهم عهدوا بهذا الوصف وتميّزوا به، مع ما في ذلك من التّفنّن والرّعاية على الفاصلة".(1)
(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتّنوير: 20/ 206.