سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٣٠٢وإيجاد الخلق الأول مشاهد في ظواهره المادية وإن كان لغز الحياة ما يزال مجهولا، وإمعان النّظر في ذلك يؤدّي -لا محالة- إلى معرفة قدرة الله والتّسليم ببديع صنعه، غير أنّ إعادة الخلق للبعث التي عطفت بـ"ثم" للتراخي هي موعود بها من قبل الخالق على ألسنة رسله، والخلق يجهلون كيفيتها، فإن التّنظير بينهما وبين الخلقة الأولى هي الأنسب لإقامة الدّليل عليها، فإن التّذييل بقوله تعالى: (إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) هو الأنسب -أيضا- في المقام، وإنما يأتي ذكر اليسير والعسير على منطق إلفنا وعادتنا -نحن البشر-، ولله المثل الأعلى، فلا يسر ولا عسر في كمال قدرته كما قال تعالى: (مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمُ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (لقمان:28).
وبعد الصّيغة الاستفهامية لاستخدام الرّؤية البصرية المشاهدة جاء الأمر بالسّير في الأرض لاستخدام الرّؤية العلمية فقال: (قُلْ سِيرُوا فِي الاَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الاَخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
لقد سلك الإنسان في استكناهه لحقائق الأشياء كثيرا من المناهج، واستعمل كثيرا من الأساليب، فإذا كان البحث التّجريبي الذي وضع أسسه العلماء المسلمون وطوّره الأوروبيون في أبحاثهم المختلفة لعلوم المادة، إذا كان ذلك النّوع من البحث قد أتى أكله في ذلك المجال المادّي، وما يزال ينمو ويتطوّر، فإنّ المنطق العقلي والفلسفي -أو ما يسمّيه المسلمون بعلم الكلام- في إدراك الحقائق المجرّدة ممّا وراء المادّة في ما يتّصل بالمعتقدات، فإنّ مثل ذلك العلم لم يُغن العقل البشريّ فتيلا في ترسيخ المعتقد الصّحيح، ولذلك نجد مثل ذلك الزّخم من الأوامر الإلهية لتوجيه العقل البشري إلى التّأمّل الواعي في ما خلق الله:
أ) - (اَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ) (الأعراف:185).