نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة العنكبوت

الجزء ١٣ · صفحة ٣٣٢

ثم قال تعالى: (وَكَذَالِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُومِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَء مَنْ يُّومِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَآ إِلاَّ الْكَافِرُونَ).

الإشارة في قوله: (وَكَذَالِكَ) هي إلى ما أنزله الله من الكتب السّابقة، أي مثل ذلك التّنزيل الكريم أنزلنا إليك هذا الكتاب، فهو بديع بليغ في مبناه ومعناه، وفرّع على ذلك قوله: (فَالذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُومِنُونَ بِهِ)، اختيرت الصّلة وفعل الإيتاء بنون العظمة عوضا عن "أهل الكتاب" للدّلالة على الامتنان عليهم حتى يحافظوا على تلك الأمانة، وليس ذلك الإتيان على عمومه، بل هو مخصّص بالقلّة المؤمنة منهم برسالة الإسلام كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهم.

وقد جعل بعض المفسرين المراد بقوله: (الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) أنّهم الرّسل الذين أنزل الله عليهم الكتب السّابقة، يؤمنون بالقرآن كما قال ذلك رسول الله عن موسى عليه السلام، وأمّا قوله: (وَمِنْ هَؤُلاَء مَنْ يُّومِنُ بِهِ)، فالمراد بهم من يؤمن من كفّار قريش، كما تدل عليه صيغة المضارع.

وبناء على هذا الاحتمال الأخير يكون التّنديد بأهل الكتاب لعدم إيمانهم برسول الله وبالقرآن المنزل عليه، ورسلهم جميعا كانوا يؤمنون به، ولذلك جاء التّذييل بقوله: (وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَاتِنَآ إِلاَّ الْكَافِرُونَ).

فاختيار صفة الكفر لذلك الجحود والإنكار هو الأنسب لما يدلّ عليه من التّغطية والسّتر للأدلّة النّاطقة كما قال تعالى في شأنهم: (فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (البقرة:89).

ولزيادة الاستدلال على أن القرآن وحي من عند الله ذكر الله صفة الأمية التي عرف بها رسول الله فقال: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ).

٤٬١٧٦ / ٦٬٧٦٧