سورة العنكبوت
الجزء ١٣ · صفحة ٣٤٤بعد أن تمت طمأنة المؤمنين بما في هجرتهم إلى الله من الأجر والثّواب، وبعد أن بيّن الله لهم ما يجب عليهم من الصّبر ومن التّوكل عليه، وأنه تعالى كافل لأرزاقهم، وأنّ الموت لا مفرّ منه لكلّ حيّ، انتقل النصّ لبيان تناقض المشركين، بين ما يقرّون به في جانب الله وبين ما هم عليه من الكفر به، ولا شكّ أنّ هذا البيان يزداد به المؤمنون إيمانا ويقينا بما هم عليه من الحقّ، وهم يرون خصومهم في متاهات الكفر والضّلال.
قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُوفَكُونَ).
الخطاب لرسول الله، جاء تأكيد القسم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم) أي المشركين الذين يعارضون دعوتك إلى وحدانية الله، لئن سألتهم من هو الخالق للسماوات والأرض وهما الحيّز المكاني لحياتهم، كما أن تسخير الشّمس والقمر في سيرهما الدّائب المطرد هما الحيّز الزّماني، وقد خصّصهما الله بالذّكر دون الأجرام الأخرى لما لهما من العلاقة المباشرة بحياة الخلق في اختلاف الفصول واختلاف اللّيل والنّهار، فهم يجيبون بأنّ الله هو الخالق لذلك، إذ لا يعتقد أحدهم بأنّ لآلهتهم الباطلة أي تصرّف في ذلك، فكيف يصرفهم كفرهم إلى الضّلال والكفر حتى وقعوا في ذلك التّناقض المشين؟.
و على انفراده تعالى بالخلق فإنّ قضية الرّزق لا تنفكّ عنه أيضا في معتقدهم، وأنّه تعالى يدبّره ويوزّعه على خلقه بحكمة بالغة وفق ما تقتضيه مشيئته وعلمه بما يصلح لكلّ واحد منهم توسيعا أو تضييقا، فقال تعالى: (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَّشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).