نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّوم

الجزء ١٣ · صفحة ٣٥٥

والأيّام دول بين الرّوم والفرس في حروبهما، وقد شاءت قدرة الله أن يسلّط القوّتين على بعضهما البعض ليخضد من شوكتهما في عهد التّنزيل، وما يزال رسول الله في مكّة يغالب قوى الكفر بعزيمة وثبات، وكان من الطّبيعيّ أن يفرح المشركون بانتصار الفرس على الرّوم لأنهم على شاكلتهم في الكفر، حتى صاروا يتطاولون بذلك على المسلمين، مما جعل أبا بكر الصّديق يراهن أبيّ بن خلف بعد أن نزلت الآيات الأولى من سورة الرّوم، وخلاصتها في ما رواه الإمام الطبري: أنّ المشركين كانوا يحبّون أن يظهر أهل فارس على الرّوم؛ لأنّهم وإيّاهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبّون أن يظهر الرّوم على فارس؛ لأنّهم أهل كتاب مثلهم، فلمّا نزلت هذه الآية: (وَهُم مِّنم بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ) خرج أبو بكر إلى المشركين فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا؟، فلا تفرحوا ولا يقرّن الله أعينكم، فو الله لتظهرن الرّوم على فارس كما أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبيّ بن خلف فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا عدوّ الله، اجعل بيننا أجلا أناحبُكَ عشر قلائص منيّ وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الرّوم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين، فناحبه، ثم جاء إلى النّبي فقال له النّبي: زايده في الخطر وماده في الأجل، فجاء أبو بكر إلى أبيّ وقال له: اجعلها مئة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت. وتقول الرّواية: فلمّا تحقّق وعد الله بنصر الرّوم بعد سبع سنين وهاجر أبو بكر إلى المدينة، وكانت وقعة أحد حيث جرح أبيّ بن خلف في المعركة فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبيّ، وجاء به إلى النّبي فقال له: تصدّق به، وكان هذا قبل تحريم القمار. وقيل: أسلم كثير من النّاس لما صدق وعد رسول الله، وذلك من دلائله.(1)

(1) 1 - رواه ابن جرير الطبري من حديث عكرمة، 20/ 69.

٤٬١٩٩ / ٦٬٧٦٧