سورة السّجدة
الجزء ١٤ · صفحة ١٧(قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ): كانت صيغة الغيبة هي الأنسب بأولئك العتاة الجاحدين، وفي الانتقال إلى صيغة الخطاب يكون الرّسول هو المأمور بذلك من قبل الله -وهو المبلغ الأمين-، وفي إخبارهم بالإماتة على يد ملك الموت لا يقتضي أنهم منكرون لحقيقة الموت، ولكن تمهيد لقوله: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)، إذ أن هذا هو مناط إنكارهم، ثم هو ردّ للعقلية الدّهرية التي كانوا يردّدونها بقولهم: (وَقَالُوا مَا هيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلْمٍ اِنْ هُمُ إِلاَّ يَظُنُّونَ) (الجاثية: 24). وبمثل هذا الرّدّ يعلمون أنهم لا يخرجون عن قبضة الله في الدّنيا ولا في الآخرة ولله جنود السّماوات والأرض، ومنهم ملائكته الأطهار، يوكلهم بتنفيذ أوامره في أرجاء ملكوته، وهو أعلم بما يفعلون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. فملك الموت هو الموكل بقبض أرواح النّاس على الصّورة التي بينها في آيات أخرى من السّهولة واليسر مع الأبرار ومن الخشونة والعذاب مع الكفار والفجار، ولملك الموت أعوان بدليل قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَآءَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ) (الأنعام:61). فإسناد التّوفيّ إلى ملك الموت كإسناده إلى الله في قوله: (اللهُ يَتَوَفَّى الاَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) (الزّمر: 42). فالمتوفّي هو الله تعالى، والملك يباشر ذلك بأمر الله.