نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأحزاب

الجزء ١٤ · صفحة ٤٦

بعد تلك المقدّمة الرّائعة التي تجمع العناصر المكوّنة لزاد الدّاعية إلى الله، وهي تقوى الله والتّوكل عليه واتّباع وحيه مع مجافاة الكافرين والمنافقين ومخالفتهم، بعد تلك المقدمة الشّيقة يأتي هذا الاستئناف الابتدائي للشّروع في بيان أنّ حقائق الأشياء في المعتقدات أو الأعمال لا يغيّر من مواهيها ومفاهيمها ما يلصق بها من أقوال ودعاوى لنفي تلك الحقائق مهما رددتها الألسن أو جرت بها العادات والتّقاليد، فليس لإنسان قلبان في جوفه يتنازعان الحق والباطل، ولا تجتمع الزّوجية والأمومة في امرأة واحدة، كما لا تجتمع البنوّة الشّرعية الحقيقية والتّبنّي في رجل، فقال تعالى: (مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللآَّئِي تَظَّهَّرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمُ أَبْنَآءَكُمْ ذَالِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ).

كان العرب يعتقدون أن الأريب الجهبذي من النّاس له قلبان في صدره، وتقول الرّوايات في أسباب النزول أنّ الجاهليين يزعمون أنّ جميل بن معمر الجمحي الفهري له قلبان، وذلك لقوّة دهائه وكثرة حفظه، وكانوا يدعونه "ذا القلبين"، فجاء الرّدّ الإلهي بنفي ذلك المعتقد الفاسد؛ لأنّ الخالق قد جعل الخلقة البشرية في التّركيب العضويّ واحدة في كلّ إنسان، والقلب في المصطلح القرآني هو مستودع العواطف والأحاسيس ومحط الهداية الرّبانية كما قال تعالى:

أ) - (وَمَنْ يُّومِنم بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (التّغابن:11).

ب) - (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الاَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ) (الحج: 46).

٤٬٣٥٨ / ٦٬٧٦٧