سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ٤٨وتطبيقا لأحكام الإسلام في تنظيم علاقات الأسرة على الأسس الطّبيعية أبطل عادة التّبنّي، وردّ علاقة النّسب والدّم إلى أسبابها الشّرعية الواقعية من الأبوّة والبنوّة، فقال تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمُ أَبْنَآءَكُمْ ذَالِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ).
فالكلام والادّعاء لا يغيّر من الواقع شيئا؛ لأنّ الولد جزء من والديه، يرث عنهما الخصائص المادية والمعنوية مما لا يمكن أن يتحقّق بالتّبنّي، لأنّه مجرّد علاقة وهمية يقرّرها كلام بالفم يذهب مع الرّيح، والله هو الذي يقرّر الحقّ الذي لا مراء فيه، وهو يهدي إلى السبيل الأقوم الأصيل الذي يتلاءم مع الفطرة السّليمة، فخذوا به واتبعوه إن أردتم الصّلاح والخير.
وقد جعل الله رسوله قدوة للمؤمنين في ذلك فأسقط عنه تلك العلاقة التي كانت بينه وبين متبنّاه فقال عزّ من قائل: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب:40)، كما أسقطها عن كل من تبنّى ولدا فقال: (ادْعُوهُمْ لأَبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَآءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ).
أمر الله المؤمنين بردّ الرّوابط الأسرية إلى طبيعتها بأن يُنسب كلّ ولد إلى أبيه الشّرعي لا إلى متبنّيه، وذلك هو أعدل في حكم الله، وقيل: إن اسم التّفضيل (أَقْسَطُ) هو مسلوب المفاضلة، بل يقصد به الزّيادة مطلقا، أي العدل الكامل المطلوب بإرجاع الحق إلى نصابه.