نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الأحزاب

الجزء ١٤ · صفحة ٦٩

(وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الاَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً): بعد أن أجمل الله القول في شأن المنافقين بقوله: (وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ) كشف أمرهم في هذه الآية حتى لكأنهم يشار إليهم بالبنان إذ قال: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الاَدْبَارَ)، وتقول الرّواية: إن هؤلاء هم بنو حارثة وبنو سلمة، انخذلوا يوم أُحُد وجبنوا على الخروج ثم تابوا وعاهدوا رسول الله أن لا يفرّوا من الزّحف ولا يولّوا الأدبار بعد ذلك، وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى في سورة آل عمران: (اِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمُ أَن تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُومِنُونَ) (122). والتّأكيد بلام القسم وحرف التّحقيق وفعل "كَانَ" هو للاهتمام ببيان ذلك الموقف الذي يتحمّل فيه المؤمن الوفاء بعهد الله مهما كلّفه ذلك من ثمن، وكون عهد الله مسؤولا هو بمعنى المحاسبة عليه أمام الله.

ولما كان هؤلاء المنافقون يصدرون في مواقفهم المخزية عن فساد في التّصوّر وضعف في الإيمان بالقضاء والقدر جاء قوله تعالى في الآيتين اللاحقتين تصحيحا لذلك التّصوّر الفاسد إذ قال: (قُل لَّنْ يَّنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً، قُلْ مَن ذَا الذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللهِ إِنَ اَرَادَ بِكُمْ سُوءًا اَوَ اَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا).

توجّه الخطاب لرسول الله على اعتباره القائد الأعلى للمجاهدين، فهو الذي كان يبلو مواقف أولئك المتخاذلين ويواجه أعذارهم ومبرراتهم، وحتى لا ينخدع لذلك أمره الله أن يبّين لهم عدم الجدوى من الفرار طلبا للنجاة؛ لأن الموت لكلّ أحد أمر محقّق، وهو محدّد في علم الله زمانا ومكانا وكيفية.

٤٬٣٨١ / ٦٬٧٦٧