سورة الأحزاب
الجزء ١٤ · صفحة ٧٢(اَشِحَّةً عَلَيْكُمْ): الضّمير في: (عَلَيْكُمْ) لرسول الله وجماعته، فقد جمعوا بين رذيلتي الجبن والشّحّ، وتلك غاية في النّذالة، تنطوي عليها نفوس هؤلاء بدافع الكره والبغض للمؤمنين، ويصوّر النّصّ الكريم ذلك بهذه الصّورة المثيرة والباعثة على الاشمئزاز، فهم في حالة الخوف -أي توقع القتال بين الفريقين-، وإفراد رؤيتهم للنبي في تلك الحالة لأنه هو القائد المشرف على المجاهدين، فهو محطّ تركيزهم واهتمامهم، وشبّه الله حالتهم النّفسية في تلك الحالة بالذي يُغشى عليه من الموت، فإنّ عينيه تضطربان، وجيء بصيغة المضارع: (تَدُورُ) للدلالة على تكرار تلك الحالة منهم.
(فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ): وذهاب الخوف يكون بانتهاء القتال أو بعدم وقوعه، والسّلق باللّسان هو سلاطة اللّسان والإيذاء به من كل كلام جارح، ووصف "الحداد" مفرده حادّ، أي نافذ فيه، وهم بذلك يشفون غليلهم ويدّعون الحكمة في موقفهم المتخاذل كما يقول الشّاعر:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة … فتخاء تنفر من صفير الصّافر
(اَشِحَّةً عَلَيْكُمْ): حال من الجملة السّابقة، أي هم في طبعهم كذلك لا يريدون الخير للمسلمين إذ ليس خوفهم حبّا ولا استبقاء للمسلمين بل هو الحقد والبغض والتّشفي.
(أُوْلَئِكَ لَمْ يُومِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا): إذن، فإنّ العلة في اتصافهم بتلك الأوصاف الذّميمة هي عدم إيمانهم، والإشارة بـ (أُوْلَئِكَ) للبعيد تحقيرا لشأنهم وبعدا لأمثالهم، حتى يحذر منهم المسلمون، وإحباط أعمالهم بمعنى إبطالها، فلا يبلغون بها ما يريدون من خلخلة صفوف المسلمين، وكان ذلك يسيرا على الله مع إحباط أعمال المنافقين بخذلانهم للمسلمين فإنه تعالى نصر رسوله ودحر أعداءه.