نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة سبأ

الجزء ١٤ · صفحة ٢١٢

تجرّأ المستضعفون أمام السّادة الكبراء، وقد سقطت تلك الفوارق الزائفة التي كانت مضروبة عليهم في الدنيا، فوجدوا متنفّسا ليلقوا التّبعة على من أذلوهم وأضلوهم إذ لولا ذلك لكانوا في عداد المؤمنين بالله وبرسوله ولما تعرّضوا لذلك الخزي المبين، فيضيق الذين استكبروا ذرعا بتحميلهم تبعة الإضلال لغيرهم فيثقل عليهم وزر الجريمة، فيردّون على الذين استضعفوا باستنكار شديد لنفي تلك التبعة: (قَالَ الذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ).

يتبرّأ الذين استكبروا من تبعة الإضلال لأتباعهم وهم يقرّون بالهدى الذي جاء به رسول الله، وينفون أن يكونوا مانعيهم عنه بالقهر والإكراه، ولكن أولئك الأتباع قد ارتضوا لأنفسهم ذلك المسلك الضال، فهم مسؤولون على أنفسهم، ولكن المستضعفين لم يستسلموا لتلك الإدّعاءات فوجّهوا الكرة لمرمى خصومهم مرة أخرى: (وَقَالَ الذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَامُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا).

بادر الذين استضعفوا بإبطال وصفهم بالمجرمين من تلقاء أنفسهم وقالوا: (مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، والتقدير: مكركم بنا في الليل والنهار، والمكر هو تدبير أمر ما في خفاء لغرير الممكور به، والليل والنهار للدلالة على الدوام والاستمرار في كل وقت.

٤٬٥٢٤ / ٦٬٧٦٧