سورة سبأ
الجزء ١٤ · صفحة ٢١٦وكم تباهى الناس بكثرة الأولاد والأموال وجعلوا ذلك ذريعة للظلم والفساد، والله الخالق -وهو أعلم بمن خلق- يجعل الاستغناء في الإنسان دافعا له إلى البغي والطغيان فقال جلّ من قائل: (كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَى) (العلق:6 - 7)، وضرب الله الأمثال لفساد هذا الرأي، وأنه تعالى يبلو خلقه بالخير والشرّ فتنة، فمن الخطأ الفادح الربط بين وفرة الحظوظ الدنيوية والحظوة عند الله، وأنّه تعالى يسارع في الخيرات لكلّ من أمدّه بالمال والبنين، ولذلك جاء الرّدّ بقوله: (قُلِ اِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَّشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ، وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُم بِالتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنَ -امَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ).
(قُل): إرشاد لرسول الله ولكلّ داعية أن يبيّن للنّاس حكمة الله في توزيع الأرزاق بين خلقه بما يعلم أنّه الخير لكلّ أحد منهم، فلا ملازمة في ذلك التوزيع بين الإيمان والكفر، ولا بين الغيّ والرّشد، فقد يوسّع على الكافر استدراجا له، وقد يضيّق على المؤمن الصالح اختبارا وفتنة، ولو كانت الدّنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء، كما ورد في الحديث الذي رواه الترمذي(1)، وهذا رسول الله عاش أزهد الناس فيها وهي طوع يمينه، ويرشده المولى بقوله: (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه:131).
(1) 1 - أخرجه الترمذي من حديث سهل بن سعد، كتاب (37) الزهد، باب (13) ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل، رقم 2320، وقال: صحيح غريب.