سورة فاطر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٤٠(يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُوفَكُونَ): نداء إلى أمّة الدعوة كلها بـ (يا أيها الناس) يأمر الله فيها خلقه أجمعين بأن يذكروا نعمته عليهم، وجاء التعبير بلفظ المفرد: (نِعْمَةَ) مضافا إلى لفظ الجلالة: (نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) ليدلّ على الجنس فيشمل كلّ أنواع النِّعم ظاهرها وباطنها، وهي أكثر من أن تحصى، كما تقدم، وقد منح الله للإنسان رسائل التذكّر، إن بلسانه، وإن بتفاعله الوجداني حتى لا يغفل ولا ينسى، لأنّ التّذكّر يكون باعثا على الشكر ولا يكون الشاكر لنعم ربّه إلا متوجها إليه بالحمد والثناء وبالطاعة والعبادة، ويلاحظ أن التنبيه لهذه الحقيقة، حقيقة أن لا خالق ولا رازق في الوجود إليه، جاء بصيغة الاستفهام الإنكاريّ الذي يفيد النفي: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ)، ثم الإعلان بعده بتوحيد الله، والمقصود بذلك -والله أعلم- هو انتزاع إقرار المشركين بتلك الحقيقة لينبني عليها حقية الخالق الرازق في إفراده بالألوهية والعبادة، إذ أنهم في الواقع لا ينكرون صفة الخالقية والرازقية لله تعالى، ولذلك أعقبه بالاستفهام التعجبي من انصرافهم عن الإقرار بالوحدانية لله إذ قال: (فَأَنَّى تُوفَكُونَ).
ومن بدائع البيان القرآني أن يجمع في آية واحدة بين الخلق والرزق فقال: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ)، ليبيّن أن الرزق من مصادره في السماء والأرض هو من جملة ما خلق، فليس هو بمرسله أو موزعه عليكم فقط، كما تفعل الحكومات برعاياها، ولكنه ككل شيء في الوجود مخلوق بقدر الله، فهل بعد ذلك من منكر لقدرة الله وعظمته بالتوجّه إلى غيره؟.