سورة فاطر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٨٣إنّه العذاب الحسّي على شدّته، يزيده العذاب المعنويّ إيلاما وشدّة، وليس لهم من متنفّس إلاّ الصّراخ الشديد وإظهار الندامة، فهم في نداءاتهم يقولون: (رَبَّنَا) معترفين في ذلك الموقف بربوبية الله التي أنكروها بالأمس، فيعدون بتدارك ما فاتهم من الأعمال الصالحة، وفي ذلك -أيضا- اعتراف منهم بأن وسيلة النجاة في ذلك الموقف إنما هي الإيمان والعمل الصالح، ولذلك جاء الرّدّ الإلهي تبكيتا وتقريعا: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ).
لا تأتي الإجابة فورية، لأن التعبير: (يَصْطَرِخُونَ) يدلّ على أن ذلك الصراخ قد استمرّ وطال ليتم بذلك العذاب النفسيّ.
تأتي الإجابة تبكيتا وتقريعا لما ضيعوه من الفرص التي منحهم الله إياها وهي تتمثل في شيئين:
أ) - (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ): لأن فسحة العمر وفق ما قدره الله لكل مخلوق هي المجال الطبيعي للاختبار والتكليف، تقتضي أن يعرف واجباته الدينية قبل البلوغ، وتزداد منة الله على عبده كلّما مدّ له في الأجل، فإن ذلك يكون أدعى للتذكّر وللإنابة إلى الله، فإذا أصرّ الإنسان على كفره واختار سبيل الضلال، فقد فوّت على نفسه فرصة النجاة، سيما إذا بلغته دعوة الله فلم يستجب لها.
ب) - (وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ): وهو رسول الله، والنذارة هي أنسب بموقف هؤلاء الكفرة.
فليس لهم من اعتراض على تلك الإجابة، وقد قامت عليهم الحجة فتقول لهم ملائكة العذاب: (فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ)، الأمر للتهكّم والسخرية، فرّع عليه الحكم العام بانتفاء أي نوع من النصر للظالمين، وأي ظلم أعظم من الشرك بالله؟.