سورة فاطر
الجزء ١٤ · صفحة ٢٨٥وبما أنّ الهداية والضلالة لكل إنسان هي معلومة ومقدرة في علم الله، فإنه يعلم أن المهتدي لا ينزع إلى الضلالة بعد إذ هداه الله، فهو -إذن- يستحق ذلك الخلود في النعيم الأبدي، كما أنّ الكافر مهما يتشفّع عند العذاب، ويعد أن لا يعود إلى ضلاله إن هو خرج منه فإنه لا يوفّي بوعده، لأنّ نفسه في طبعها نزّاعة إلى الشرّ والضلال. ولذا قال الله في شأن أمثاله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الأنعام:28). ولذلك فهو أيضا يستحق الخلود الأبديّ في جهنم.
(هُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ فِي الاَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمُ إِلاَّ مَقْتًا وَلاَ يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمُ إِلاَّ خَسَارًا):
الجملة بيان وتأكيد لعلم الله بالغيب، ولما تضمره القلوب إذ هو خالقها ومحرّك خواطرها، وهو الذي استخلفنا في هذه الأرض وأقدرنا على عمارتها وتسخير كل ما فيها لمنافعنا، كما جعل الأمم والحضارات والأجيال يخلف بعضها بعضا وتتعاقب على مسرح الحياة متقلبة بين خيرها وشرّها.
ومن ثمّ يعلن التبعية الفردية لكل شخص: (فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ)، يحمل وحده تبعية عمله ويتحمل عاقبة اختياره، وهي المقت والخسارة. ولتقدير فداحة ذلك البغض الشديد للكافرين عند الله أعاد عبارة: (ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم) لتقرير فداحة خسارتهم في الدنيا والآخرة، ومن المفارقات عند هؤلاء الضالين أنّهم يفقدون كلّ إحساس بوخز الضمير، ولا هم ينتبهون لسوء المصير فقد ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.