39سأذ 10 رمضان 1426هـ - 14 أكتوبر 2005م سق صححت
الجزء ١ · صفحة ٩والأحاديثُ في ذلك كثِيرة، ولَم تُفَرِّق بيْن مِزاح وبيْن غيْرِ مزاح في الكذب .. المزاحُ لا يَكون بِالكذِب، وإنَّما يَكونُ في بعضِ الأمورِ التي لا كَذب فيها .. فيها مؤانَسَةٌ لِلجلِيس وتطْيِيبٌ لِخَاطِرِه بِشرْط-أيضا-ألاّ يُكثِرَ الإنسانُ مِن ذلك وألاّ يَكون فيه شيءٌ مِن القبح والرذائل، أما الإكثارُ مِن ذلك والمداومةُ عليه فهو مَنهِي عنه، لأنه مُشْغِلٌ عن ذِكرِ الله-تبارك وتعالى-وعن أمورِ الدِّين كَطَلَبِ العلمِ النافِع وغيْرِ ذلك مِن الأمور، ثُم إنه تَتَوَلَّد منه كثِيرٌ مِن الأمور .. يُورِثُ الضَّغَائِن والأحقاد ويُذهِب الهَيْبَة والوقار عن صاحبِه.
كثِيرٌ مِن الناسِ يَدَّعُون أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَمزَح .. نعم كان يَمزَح صلوات الله وسلامه عليه ولكنَّه لَم يَكن يَأتِي في مزاحِه هذا إلا بِالصِّدْقِ .. ما كان يَقول إلا صِدْقا، ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يُكثِرُ مِن ذلك بل كان يَصنَع ذلك في القليلِ النَّادِر جدا، فمَن أرادَ أن يَقْتَدِيَ بِالنبي - صلى الله عليه وسلم - فإنَّه صلوات الله وسلامه عليه-كما قلتُ-ما كان يَقول إلا حقّا .. هذا أوَّلا، وثانيا كان يَفعلُه لِمَصلحةٍ مِن المصالِح، كتأليفِ قلب أو تطيِيبِ خاطِر أو إذهابِ خوْف-أو ما شابه ذلك-مِن جليسِه، وكان ذلك في القليلِ النادِر جِدا، أما ما عدا ذلك فهو مِمّا يُنهى عنه، وأما إذا كان بِالكذِب فلا.
وقد جاء عن معاذ-رضي الله تبارك تعالى عنه-أنَّه سَأَلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أَئِنا لَمُؤاخَذُون بِما تَنطِقُ بِه أَلسِنَتُنا ؟ "-أو ما هذا معناه-فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ثَكِلَتْكَ أُمُّك، وهل يَكُبّ الناس على وجوهِهِم-أو قال: على مناخِرِهم-إلا حصائِد أَلسنَتِهم ).