52سأذ 25 رمضان 1426هـ - 29 أكتوبر 2005م صحح
الجزء ١ · صفحة ١٤أما إن كان يَقول للنَّاس: " اجتنبوا كذا واجتنبوا كذا " ورعاً لأنَّه هو يَتَوَرَّع ويَجتنب تِلك الأمور فَفي هذه الحَالة هو ليس مُفْتِياً، وإنَّما هو متشدد لأنه حَمَل النَّاس على وَرَعِه، والوَرَع-كما قلنا-مِسَاحَة، ومن أراد أن يَحتاط وَيَتَوَرَّع فليَتَوَرَّع كما شاء، ولكن في الفُتْيَا على الإنسان أن يَتَقَيَّد بالدليل، فإن كان الدليل يقتضي الإباحة فعليه أن يقول بالإباحة، وإن كان الدليل يقْتَضي التحريم فعليه أن يقول بالتحريم، والتوسع في ما أحَل الله - سبحانه وتعالى - أمْرٌ مطلوب في الفُتْيَا خصوصاً، وكذلك مَطْلُوب في العمل إلا إذا اقتضى الأمر تَرْك شيء لسبب من الأسباب إذ لَيس على الإنسان أن يَتَنَاوَل جَميع المُبَاحات، قد يكون شيء مِن المُبَاحات يترك تَنَاوُلَه لسبب من الأسباب فإن المباح مباح وليس بواجب، إذ هناك دَرَجَة بين الواجب والمحرم .. هناك مباح .. المباح الذي لا يترتَّب على تَنَاوُلِه الإثْم ولا الثَّوَاب، فَلَيْسَ هو لِذَاتِه يأثَم عليه وليس هو-أيضاً-لذاته يُثَابُ عليه، إنَّما العبرة بالنِّيَة في تَناوله إياه، فإن كانت نِيَّتُه صَالِحَة انقلب هذا المباح إلى عبادة في تَنَاوُلِه إياه وأُثِيب عليه .. إن تَناول الحلال لأجل أن يَسْتَشْعِرَ نعمة الله-تبارك وتعالى-عليه ولأجل أن يَكُف نفسه عن مَحارم الله كان في ذلك عابداً لله سبحانه .. كانت هذه قُرْبَة من القرب التي تُقَرِّبُه إلى الله.
وكذلك بين الواجب والمُحرم حُكمان آخران وَهُمَا المندوب إليه، وهو ما يُرجح فيه جانب الفعل على جانب التَّرْك، وَهُو الذي يُعبَّر عنه بأنَّه ما يُثَاب على فعله امتثالا ولا يُعَاقَب على تَرْكِه.
والمكروه وهو: ما يُثَاب على تَرْكِه، ولا يُعاقب على فِعله.
فهناك أحكام ما بين المَحَرَّم وما بين الواجب.