شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الكتاب الخامس عشر في الهبة

الجزء ٢٢ · صفحة ٢٤٨

( وَهَلْ تَصِحُّ ) الْهِبَةُ لِغَيْرِ الثَّوَابِ ( بِلَا قَبُولٍ وَقَبْضٍ مُطْلَقًا ) وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ ؟ وَقَالُوا : تَبْطُلُ إنْ لَمْ يَقْبِضْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ حَتَّى وَهَبَهَا الْوَاهِبُ لِغَيْرِهِ وَقَبَضَهَا الثَّانِي ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَعَنْهُ أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْحَائِزُ أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْمِرْدَاوِيّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ : تَصِحُّ وَتُمْلَكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فِي غَيْرِ الْأَبِ وَفِي الْأَبِ ، وَهَذَا قَوْلُ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ كَسَائِرِ الصَّدَقَاتِ ، ( أَوْ ) تَصِحُّ ( بِهِمَا ) أَيْ بِالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ لَا بِدُونِهِمَا أَوْ بِدُونِ أَحَدِهِمَا وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَجُمْهُورُ الْأُمَّةِ وَالشَّافِعِيُّ ؟ وَعَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ هِبَةُ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّهُ لَا قَبْضَ فِي ذَلِكَ إلَّا إنْ كَانَ غَيْرُ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مِثْلُ أَنْ يَهَبَ لِمَنْ لَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ ، قِيلَ : لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهَبَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَخْلًا كَانَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَهُ مِيرَاثًا ، فَتَكَلَّمَتْ فِيهِ عَائِشَةُ ، فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا : يَا ابْنَتِي إنَّك لَمْ تَقْبِضِيهِ وَإِنَّهُ الْآنَ لِلْوَارِثِ ، وَيُبْحَثُ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ خَاصٌّ وَالْمُدَّعَى عَامٌّ لِأَنَّ هَذِهِ الْهِبَةَ هِبَةُ أَبٍ لِوَلَدٍ ، وَالْمُدَّعِي أَنَّ الْهِبَةَ مُطْلَقًا لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْقَبُولِ ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ : إنَّك لَمْ تَقْبِضِيهِ ، فَإِنَّهُ تَعْلِيلٌ مَعْنَوِيٌّ يُفِيدُ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا حُكْمَ لِلْوَاهِبِ فِيهَا إلَّا إنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَيُؤَخَّرُ إلَى قَبُولِهِ أَوْ رَدِّهِ ، وَعَلَى الثَّانِي هِيَ فِي حُكْمِ الْوَاهِبِ إنْ رَجَعَ إلَيْهَا قَبْلَ الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ ، وَلَا يُجْبَرُ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى الْقَبْضِ أَوْ الرَّدِّ وَمُؤْنَتُهَا وَجِنَايَتُهَا مِنْ مَالِ الْوَاهِبِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ ، وَإِنْ مَاتَ

١٠٬٧٤٨ / ١٧٬٤٣٨