شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الكتاب الخامس عشر في الهبة

الجزء ٢٢ · صفحة ٣١٧

إلَى حَالٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِيمَا حُبِسَ فِيهِ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَقَالَ : الْعَائِدُ فِي حَبْسِهِ أَوْ وَقْفِهِ لَا فِي هِبَتِهِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمُجِيزِ بَيْعِ الْأَوْقَافِ إذَا بَلَغَتْ غَايَةً لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا فِيمَا وُقِفَتْ لَهُ ، فَيَمْلِكُ ثَمَنَهَا مَنْ وَقَفَهَا أَوْ وُقِفَتْ لَهُ ، وَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا إذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الْغَايَةَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهَا فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْأَجْرِ ، لِأَنَّ تَرْكَهَا تَبْذِيرٌ وَتَضْيِيعٌ ، وَنَهَاهُ عَنْ الْعَوْدِ إلَى هِبَتِهِ وَلَوْ بِالشِّرَاءِ ، وَقِيلَ : سَمَّى الشِّرَاءَ عَوْدًا فِيهَا لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالْمُسَامَحَةِ مِنْ الْبَائِعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي ، فَأَطْلَقَ الرُّجُوعَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُسَامَحُ بِهِ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا النَّهْيَ فِي صُورَةِ الشِّرَاءِ عَلَى التَّنْزِيهِ ، وَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى التَّحْرِيمِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : التَّحْرِيمُ فِيهِ ظَاهِرٌ ، وَالنَّهْيُ مَخْصُوصٌ بِنَحْوِ الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا مَا إذَا رَدَّهُ إلَيْهِ الْمِيرَاثُ مَثَلًا ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ هِبَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ، فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ ، وَقِيلَ : لَا وَلَوْ طِفْلًا لَمْ يَقْبِضْ لَهُ أَحَدٌ وَاَلَّتِي لَمْ تَقْبِضْ ، وَقِيلَ : لَا رُجُوعَ فِيهَا كَمَا مَرَّ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : لَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إلَّا حَرَامًا وَالْبُخَارِيُّ : لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ ؛ الَّذِي يَرْجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَرْجِعُ فِي قَيْئِهِ ، وَابْنُ حَجَرٍ : لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّصِفَ بِصِفَةٍ ذَمِيمَةٍ يُشَابِهُنَا فِيهَا أَخَسُّ الْحَيَوَانَاتِ فِي أَخَسِّ أَحْوَالِهَا ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَأُدَلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ مِمَّا لَوْ قَالَ مَثَلًا : لَا تَعُودُوا فِي الْهِبَةِ .

١٠٬٨١٧ / ١٧٬٤٣٨