باب في هبة المنافع
الجزء ٢٢ · صفحة ٤٩٢الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَهُمْ الْمُقْتَضِيَةُ لِلرُّجُوعِ ، فَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِرْشَادِ .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : ﴿ جَعَلَ الْأَنْصَارُ يَعْمُرُونَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ ﴾ ؛ فَتَحَصَّلَتْ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ ، وَسَأَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْفُقَهَاءَ عَمَّنْ قَالَ : أَعْمَرْتُكَهَا وَأَطْلَقَ ، فَذَكَرَ لَهُ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إنَّمَا الْعُمْرَى أَيْ الْجَائِزَةُ إذَا أَعْمَرَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَجْعَلْ عَقِبَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ لِلَّذِي يَجْعَلُ شَرْطَهُ ، قَالَ بَعْضُ الْحُذَّاقِ : إجَازَةُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى بَعِيدَةٌ عَنْ قِيَاسِ الْأُصُولِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ مُقَدَّمٌ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ﴿ الْعُمْرَى لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى لِمَنْ أُرْقِبَهَا وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ﴾ " ، فَجَعَلَ الرُّجُوعَ الْمُقَارَنَ لِلْعَقْدِ مِثْلَ الرُّجُوعِ الطَّارِئِ بَعْدَهُ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ أَنْ يُبْقِيَهَا مُطْلَقًا أَوْ يُخْرِجَهَا مُطْلَقًا فَإِذَا أَخْرَجَهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ مُرَاغَمَةً لَهُ وَهُوَ نَحْوُ إبْطَالِ شَرْطِ الْوَلَاءِ كَمَا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ ، وَالْخِلَافُ فِي الرُّجُوعِ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى قَبْلَ الْمَوْتِ كَالْخِلَافِ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ، وَيَجُوزُ لِلْأَبِ ، وَالْخِلَافُ فِي شَرْطِ الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ كَالْخِلَافِ فِيهَا ، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ ثُبُوتِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلِعَقِبِهِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ : وَلِعَقِبِهِ ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَنْ وَافَقَهُ كَمَا قَالَ .