شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في حفظ مال المسلم

الجزء ٢٣ · صفحة ١٢٧

إلَّا الْبَعِيرَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، وَتَقَدَّمَتْ أَحَادِيثُ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ الْإِبِلُ فِي أَيَّامِ عُمَرَ مُؤْتَلِفَةً تَتَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ إلَى أَيَّامِ عُثْمَانَ ، فَأَمَرَ بِبَيْعِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا .

وَحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْ الْتِقَاطِ الْإِبِلِ مَذْكُورَةٌ فِي الْحَدِيثِ ، وَهِيَ أَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِحِذَاءٍ وَسِقَاءٍ وَتَرْعَى وَتَرِدُ الْمَاءَ ، وَالْأَخْذُ لِحِفْظِ الْعَيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ وَالْإِبِلُ مَحْفُوظَةٌ بِمَا فِيهَا مِنْ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ ، وَمَا يُسِّرَ لَهَا مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَيُبْنَى عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ أَنَّ بَقَاءَهَا حَيْثُ ضَلَّتْ أَقْرَبُ إلَى وُجْدَانِ مَالِكِهَا مِنْ تَطَلُّبِهِ لَهَا فِي رِحَالِ النَّاسِ ، وَالْمَنْعُ عَنْ الْتِقَاطِهَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، إذْ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : مَا لَك وَلَهَا ؟ وَقِيلَ : مَا الْتَحَقَ بِالْإِبِلِ فِي الِامْتِنَاعِ بِقُوَّتِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ ، فَهُوَ كَالْإِبِلِ فِي امْتِنَاعِ لَقْطِهِ أَوْ بِسُرْعَةِ سَعْيِهِ كَالْأَرْنَبِ وَالظَّبْيِ أَوْ بِطَيَرَانِهِ كَالْحَمَامِ فَلَا يَحِلُّ قِيلَ : الْتِقَاطُ ذَلِكَ بِمَفَازَةٍ لِأَنَّهُ مَصُونٌ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ أَكْثَرِ السِّبَاعِ مُسْتَغْنٍ بِالرَّعْيِ إلَى أَنْ يَجِدَهُ مَالِكُهُ إذَا كَانَ الْتِقَاطُهُ لَهُ لِلتَّمَلُّكِ ، وَيَجُوزُ لِلْحِفْظِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْخَوَنَةِ ، أَمَّا إذَا وَجَدَهُ فِي الْعِمَارَةِ فَيَجُوزُ لَهُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، كَمَا يَجُوزُ لِلْحِفْظِ ، وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ كَالْمَفَازَةِ ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ فِي الْعِمَارَةِ يَضِيعُ بِامْتِدَادِ الْخَانَةِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَفَازَةِ ، فَإِنَّ طُرُوءَ النَّاسِ بِهَا لَا يَعُمُّ وَلَوْ وُجِدَ فِي زَمَانِ نَهْبٍ جَازَ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ وَالْحِفْظِ قَطْعًا فِي الْمَفَازَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلَوْ الْتَقَطَ الْمُمْتَنِعَ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ فِي مَفَازَةٍ آمِنَةٍ ضَمِنَهُ ، وَلَا يَبْرَأُ بِرَدِّهِ إلَى مَكَانِهِ ،

١١٬١٢٧ / ١٧٬٤٣٨