باب في بعض الإجارات المختلف فيها
الجزء ١٨ · صفحة ٢٨٨لَا حُرُوفَ الْقُرْآنِ خُصُوصًا ، وَدَعْوَى أَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ حُرُوفِهِ بِاعْتِبَارِ مَا يُكْتَبُ مُمَالًا وَمَا يُكْتَبُ غَيْرَ مُمَالٍ ، وَمَا يُكْتَبُ بِخِلَافِ السَّوَادِ مِنْ الْحُذُوفَاتِ وَمَا يُكْتَبُ بِالْعَدِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ .
وَأَمَّا الْعُذْرُ بِأَنَّ تَرْكَ الْأُجْرَةِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ التَّعْلِيمِ ، وَتَرْكُهُ يُفْضِي إلَى صَيْرُورَةِ النَّاسِ أُمِّيِّينَ فَلَا يُبِيحُ أَخْذَ الْأُجْرَةِ لِلْمُعَلِّمِ بَلْ يُبِيحُ أَنْ يُعْطِيَهَا الْمُتَعَلِّمُ ، وَمَعْنَى قَوْلِ الْمَدْيُونِيِّ : أَتَجُوزُ عَلَى رَعْيِ الْبَقَرِ ؟ أَتَجُوزُ عَلَى رَعْيِهِ وَحْدَهُ دُونَ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، فَلَا يَسْتَشْكِلُ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَى رَعْيِهِ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الشوشاوي وَغَيْرُهُ : أَمَّا حُكْمُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ بِالْأُجْرَةِ فَفِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ : الْجَوَازُ مُطْلَقًا ، قَالَهُ مَالِكٌ ، وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْإِثَابَةِ دُونَ الْإِجَارَةِ ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَأَمَّا الْأَصْلُ فِيهِ فَدَلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ ، فَالْقُرْآنُ قَوْله تَعَالَى : ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ .
وَالْحَدِيثُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ : بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ﴾ فَأَمَرَ بِالتَّبْلِيغِ دُونَ الْإِجَارَةِ رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ﴿ : عَلَّمْت الْقُرْآنَ لِرَجُلٍ فَأَعْطَانِي قَوْسًا أُجَاهِدُ بِهِ ، فَأَعْلَمْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَتُرِيدُ أَنْ تُطَوَّقَ بِطَوْقٍ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ ﴾ وَفِي الدِّيوَانِ : عَلَّمَ رَجُلٌ رَجُلًا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ قَوْسًا وَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ : ﴿ لَوْ أَخَذْتَهُ لَقَلَّدَك اللَّهُ بِهِ قَوْسًا مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ وَحَمَلَ مَالِكٌ هَذَا كُلَّهُ عَلَى أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ