باب في بعض الإجارات المختلف فيها
الجزء ١٨ · صفحة ٢٨٩الْقُرْآنِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ .
قُلْت : وَأَيْضًا الْآيَةُ نَفَتْ سُؤَالَ الْأُجْرَةِ وَلَيْسَتْ فِيهَا تَحْرِيمُهَا وَدَلِيلُ مَنْ قَالَ : يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْإِثَابَةِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ أَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ كِتَابُ اللَّهِ ﴾ وَإِنَّ الْقُرْآنَ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُؤْخَذَ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَلَكِنْ يَعْتَقِدُ فِيمَا يُعْطَى عَلَى تَعْلِيمِهِ أَنَّهُ إثَابَةٌ لَا إجَارَةٌ وَدَلِيلُ مَالِكٍ الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا قَالَ : وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ : الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَالْعَمَلُ وَالنَّظَرُ ، فَدَلِيلُ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ وَأَيُّ بِرٍّ أَعْظَمُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَدَلِيلُ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ﴿ أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴾ " [ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ] .
وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : ﴿ إنِّي وَهَبْت لَك نَفْسِي فَأَعْرَضَ عَنْهَا فَأَعَادَتْ ثَانِيَةً ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَجْلِسِ : إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : هَلْ مَعَك شَيْءٌ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ مَعِي شَيْءٌ إلَّا إزَارِي هَذَا إنْ دَفَعْته إلَيْهَا بَقِيت بِلَا إزَارٍ ، فَقَالَ لَهُ : الْتَمِسْ شَيْئًا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ : لَمْ أَجِدْ ، فَقَالَ : هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَعِي مِنْهُ كَذَا وَكَذَا فَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ ﴾ .
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ بِالْإِجَارَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا وَلَكِنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ ، وَفِي الْمَذْهَبِ قَوْلٌ شَاذٌّ بِجَوَازِهِ فِي الصَّدَاقِ ، وَدَلِيلُ الْعَمَلِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمَدِينَةِ