الاشتقاق محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أبو بكر

رجال بني مرة بن كعب بن لؤي

الجزء ١ · صفحة ٤٨

فقلت مجيباً:

مَتَى، إنَّما عهدِي به مُذْ عَروبةٌ … وتسعةُ أيّامِ لِغُرّة ذا الشَّهرِ

فقال:

ثَوَى بين أيّامِ ثلاثٍ كوامل … مع اللَّيل أو في الصّبح من وَضَح الفجرِ

فانتبهَت الرُّفقةُ بمخاطبتي له، فقالوا: مَن نَعَى لك؟ فقلت: نَعَى عبد الله ابن جُدعان. فقالوا: لو بقي أحدٌ لسخاءٍ أو عِزٍّ وَمجد لبقي عبد الله بن جُدْعان! فقال الجنَّيّ:

أرى الأيامَ لا تُبقِي عزيزاً … لعزّتِه ولا تُبقي ذليلاً

فقلت له:

ولا تُبْقِي من الثَّقَلين شُفْراً … ولا تُبقي الحُزُونَ ولا السُّهولا

قال: فانصرفْنا إلى مكّة فوجدناهُ قد مات في تلك الليلة التي ذكرها.

وكان أميّةُ بنُ أبي الصَّلت مدّاحاً له ونديماً، فشرب يوماً وكانت لابن جُدعان قَينتانِ، فلما شرِب أميّةُ نَظَر إلى إحدى القَيْنَتين فغامَزَتْه فوقعت في قلبه فباتَ ساهراً، فلمّا أَصبح غدا إلى عبد الله بن جُدعان وأنشأ يقولك

أأذكرُ حاجتي أمْ قد كفاني … حَيَاؤُك إِنّ شيمتَك الحياءُ

وعِلُمك بالحقوق وأنتَ قَرْمٌ … لك الحسبُ المهذَّب والسَّناءُ

كريمٌ لا يغيِّرهُ صباحٌ … عن الخُلُق الكريمِ ولا المَساء

إذا أثنى عليك المرءُ يوماً … كفاه مِن تعرُّضِه الثَّناءُ

تبارِي الرِّيح مكرُمةً ومَجداً … إذا ما الكلبُ أجْحره الشِّتاء

فقال عبد الله بن جُدعان: قد عرفتُ حاجتك، هي الجاريةُ خُذ بيدها. فقال أمية:

عطاؤك زينٌ لامرئٍ إنْ حبوتَه … بخيرٍ وما كل العطاءِ يَزِينُ

وليسَ بشَيْنٍ لامرئٍ بذلُ وجههِ … إليكَ كما بعضُ السؤال يَشِين

أخبرنا أبو حاتمٍ عن الأصمعي قال: قال أميّة في عبد الله بن جُدْعان:

سقَى الأمطارُ قبرَ أبي زُهيرٍ … إلى شُقْف إلى بِرْكِ الغِمادِ

ومالِي لا أحيِّيهِ وعندي … مواهبُ يطَّلِعن من النِّجادِ

له داعٍ بمكَةَ مُشمعِلٌّ … وآخرُ فوقَ دارته يُنادِي

إلى رُدُحٍ من الشِّيزَى عليها … لُباب البُرِّ يُلبَكُ بالشِّهادِ

ومنهم: عبد الله بن أبي مُلَيكةَ الفقيه، من ولد عبد الله بن جُدْعان.

ومنهم: قُنُفذ بن عُمَير بن جُدعان، ولِيَ شُرطَ عثمانَ بن عفّانَ رضي الله عنه. واشتقاق قُنفُذ من فعلٍ ممات، وهو فُنعُلٌ. وزعم الخليل أنَّ كل اسمٍ رباعيّ في كلامهم ثانيه نون أو همزة فلك أن تقول فُعْلُل وفُعْلَل، مثل جندُب وجندَب، وعُنصُرٍ وعُنصُر. إلاَّ أنَّهم لم يقولوا قُنْفَذ، ولم يجيء في شعر ولا غيره. والقَفْذ: كلامٌ قديم متروك، وأصله زعموا التفبُّض والتجمُّع. قَفِذَ يَقْفَذ قَفَذّا، وتقفَّذاً، إذا اجتمع ودخلَ بعضُه في بعض.

وطلحةُ بن عُبيد الله، كان يسمَّى الفيَّاض، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم حين تطامَنَ للنبي صلى الله عليه وسلم فعَلا على ظهره حتَّى صعِد إلى التّلِّ يومَ أُحد وكان على النبي صلى الله عليه وسلم دِرعانِ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أوجَبَ طَلْحَةُ " ، أي استحقَّ الجنَة.

وكان محمدُ بن طلحة من خيار المسلمين، قُتِلَ يوم الجمل.

حدثني السًّكَنُ بن سعيدٍ الجرموزي عن عليّ بن نصر الجَهْضَمِيّ، يَسُوق الحديثَ إلى ابن أُذينةَ العبديّ قال: لمَّا بلغَنَا بالبصرة قدومُ طلحةَ والزُّبير وعائشة رضي الله عنهم قلت: والله لأستقبلنَّهم في الطريق قبل أن يَغلِبَني عليهم الناس. قال: فرِكبتُ فرس وخرجتُ فلقيتُهم وقد ارتحلوا من سَفَوان مُقْبِلين، فنظرتُ فإذا برجلٍ عليه سيما الخير، يَسيرُ على فرِسه من ناحية القوم، وإذا هو محمد بن طلحة، فقلت: ناشدتُك الله، عند مَنْ دمُ عثمان؟ فقال: أمَّا إذْ ناشدتَني فإنَّ دم عثمان ثلاثةُ أثلاثٍ: ثُلُث عند صاحب الكوفةِ يعني عليَّاً، وثُلُث عند صاحبِ الهودج يعني عائشة، وثلثٌ عند صاحب الجملِ الأحمر. فسمِعَتْه عائشةُ فقالت: فعَلَ الله بك وفعل! فقال: يرحَمُكِ اللهُ يا أُمَّهْ. وسمع طلحةُ قوله فقال: هل تابَ امرؤٌ أكثَرَ منم بذله نفسَه للقتل.

٤٨ / ١٧٤