الاشتقاق محمد بن الحسن بن دريد الأزدي أبو بكر

محمد

الجزء ١ · صفحة ٢

ومنها أن الرجَل كان يخرج من منزله وامرأته تَمخضُ فيسمِّي ابنه بأوَّل ما يلقاه من ذلك، نحو: ثعلب وثعلبة، وضبّ وضبّة، وخُزَز، وضُبَيعة، وكلبٍ وكليب، وحمار وقرد وخنزير، وجحش، وكذلك أيضاً تُسمِّى بأول ما يَسنَح أو يبرح لها من الطَّير نحو: غُرابٍ وصُرَد، وما أشبَهَ ذلك.

حدثنا السَّكن بن سعيد الجُرموزيِّ عن العباس بن هاشم الكلبي، عن خراش قال: خرجَ وائلُ بن قاسطٍ وامرأتُه تَمخَّضُ وهو يريد أن يرى شيئاً يسمِّي به، فإذا هو ببَكْرٍ قد عَرضَ له فرجَعَ وقد ولدت غلاماً، فسمَّاه بكراً، ثم خرج خَرجةً أخرى وهي تمخّض فرأى عنزاً من الظباء فرجع وقد ولدَتْ غلاماً، فسماه عَنْزا وهو مع خَثعَم بالسَّراة وبالكوفةِ وفِلَسطين، ثم خرج خرجة أخرى فإذا هو بشُخَيصٍ قد ارتفَعَ له ولم يتبيَّنْه نظراً فسماه الشُّخَيص، وهم أبياتٌ مع بني ثعلبة بن بكرٍ بالكوفة، ومنهم بقيةٌ بالجزيرة. ثم خرج خرجةً أخرى وهي تمّخض فغَلبَه أن يَرَى شيئاً فسمّاه تَغلِب.

وأخبرنا السَّكَن بن سعيد، عن العباس بن هاشم، عن المسيَّب النميمي قال: خرج تميمُ بن مُرٍّ وامرأتُه سَلمى بنت كعب تمخّض، فإذا هو بواديٍ قد انبثق عليه لم يشعُرْ به، فقال: اللَّيل والسَّيل! فرجع وقد ولَدْت غلاماً، فقال: لأجعلنَّه لإلهي، فسماه زيد مناة، ثم خرجَ خرجةً أخرى وهي تمخّض فإذا هو بضُبعٍ تجرُّ كاهلَ جَزور فقال: أعثى به رَثْية، يأوي إلى رُكنٍ شديد. - أعثى، يعني الضَّبع والرَّثْية يعني الضَّرَع - فولدت عَمْراً، ثم خرج وهي تمخض فإذا هو بمُكَّاء يغرِّد على عَوسَجةٍ قد يبِس نصفُها وبقي نصفُها، فقال: لئن كنتِ قد أثريتِ وأسريتِ لقد أجحدتِ وأكدَيْتِ. فولدت غلاماً فسمَّاه الحارث، وهم أقلُّ تميمٍ عدداً.

وإنما اختصرنا منه ما يشبه ما قَصَدْنا له.

أول كتاب الاشتقاق

اشتقاق اسم محمد

محمد

النبي صلى الله عليه وسلم، مشتق من الحمد، وهو مُفعَّل، ومفعَّل صفة تلزم من كثر منه فعلُ ذلك الشيء. روى بعض نَقَلة العلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وُلِد أمَرَ عبدُ المطّلب بجوزرٍ فنُحِرت، ودعا رجالَ قريش، وكانت سُنَّتهم في المولد إذا وُلِد في استقبال الليل كفَؤُوا عليه قدراً حتى يصبح، ففعلوا ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأصبحوا وقد انشقَّت عنه القِدرُ وهو شاخصٌ إلى السماء. فلما حضَر رجالُ قريشٍ وطَعِموا قالوا لعبد المطَّلب: ما سمَّيتَ ابنك هذا؟ قال: سمَّيتُه محمّداً. قالوا: ما هذا من أسماء آبائك. قال: أردت أن يُحمَد في السموات والأرض. فمحمَّد مفعّل، لأنه حُمِد مرّةً بعد مرة. كما تقول كرَّمته وهو مكرَّم، وعظّمته وهو معظَّم، إِذا فعلتَ ذلك به مراراً. والحمدُ والشكر متقارِبانِ في المعنى، وربمّا تبايَنَا. ألا ترى أنّك تقول: حَمِدتُ فلاناً على فعلهِ وشكرت له فعلَه، وقد اشتَبَها في هذا الموضع. وتقول: حَمِدتُ فلاناً على فعلهِ وشكرت له فعلَه، وقد اشتَبَها في هذا الموضع. وتقول: جاورتُ بني فلانٍ فحمِدتُهم، ولا تقول شكرتُهم. وتقول: أتيتُ أرض بني فلان فحمِدتُها، ولا تقل شكرتها. وتقول: فلانٌ محمودٌ في العشيرة، ولا تقول مشكورٌ في العشيرة. والدليل على أنَّ محموداً حُمِد مرّةً واحدة، ومحمداً حُمِدَ مرّةً بعد مرّة، قول الشاعر:

فلستَ بمحمودٍ ولا بمحمَّدٍ … ولكمَا أنت الحَبَنْطَى الحُباتِرُ

يعني القصير المتداخلَ الأعضاء.

وقد سمَّت العربُ في الجاهلية رجالاً من أبنائها محمداً، منهم محمدّ ابن حُمْرانَ الجعفي الشاعر، وكان في عصر امرئ القيس بن حُجْر، وسمّاه شويعراً وقال:

أبلغَا عنِّيَ الشُّويعِرَ أنِّي … عَمْدَ عينٍ جلَّلتُهنَّ حَرِيما

أي قصدتُ ذاك.

ومحمّد بن بِلال بن أُحَيحة بن الجُلاح، وأحيحةُ كان زوجَ سَلمى بنت عمرو بن لبيد النَّجَّارية، فخَلَف عليها بعده هاشم بن عبد مناف، فولدَتْ له عبدَ المطَّلب بنَ هاشم، فهي جَدَة رسول الله عليه السلام، أمُّ جدِّه.

ومحمّد بن سفيان بن مُجاشع بن دارم، ومحمَّد بن مَسْلَمة الأنصاري سمِّي في الجاهلية محمداً، وأبو محمَّد مسعودُ بن أوس بن أصْرَم بن زيد بن ثَعْلَبة، شَهِد بدراً. ومحمد بن خَوْلىّ، وخَولىّ: بطنٌ من هَمْدان.

٢ / ١٧٤