22 الشيخ أحمد - المفهوم الغائب
الجزء ٢٣ · صفحة ٢٩٩معانيها، فما الإسلام موقوفا عند أداء الصلاة، أو حجِّ البيت، أو عند إسبال الثياب وعدمه، أو هو في تلك المسائل الفرعية التي قادت أكثرنا إلى الفرقة والخلاف الذي لا طائل من ورائه، ولا فائدة ترتجى من خلاله.
وإن شئنا سألنا الأماكن التي وطأها الإسلام، والأمصار التي عَمَرَها، وإنَّا لصادقون فما أدل على ذلك، إلا بعض تلك البلاد المتاخمة لحدود الفرس التي لم تكن تعرف عبادة غير الصنم والشمس والبقر، يخرُّون لها ركَّعا سُجَّدا، يسبِّحون بحمدها آناء الليل وأطراف النهار، فلم يعرفوا من دونها موئلا فأعمت بصيرتهم، وأعيت منطقهم، ولم يشعروا بذلك حتى أرْدَت بهم في براثن الجهل، وألقت بهم في حَمَأة الرذيلة؛ كيف لا ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، حتى تمكَّن الإسلام في قلوبهم، وسرت فيهاأخلاقه سريان الدم في عروقهم، بذلك اعتلوا مراكب المجد وسمَوا، وإلى سماء العزَّة والفضيلة امتطوا.
فهذا كله بماذا؟ أهو بالسيف والحرب؟ أم بالعنوة والقتال؟ كلا! فلا هذا ولا ذاك، وإنما بسماحة خُلق من قَدِم إليهم، وبدماثة خَلالِ من وفَد إليهم، فكانت معاملتهم لهم بمثابة السحر الذي يأخذ بالألباب ويشدُّ القلوب، فصيَّرت الملحَ الأجاجَ عذبا زلالا، وكست الأرضَ البورَ خضرة وجمالا، ولما التقى الحسنيان، دانت الرقاب إلى بارئها وحَسُن إسلامها، فكان إسلام تلك الربوع فتحًا عظيمًا لهذا الدين ونصرًا عزيزًا قاده لأن يكون في صدارة الديانات.
فالشريعة الإسلامية إذن شريعةٌ متكاملة لكل نواحي الحياة، وهو دين حضارة وتطور كما هو أيضا منهج حياة به نتطلع إلى أفق واسع، من القرآن الكريم وسنة نبيه الأعظم يستقي ويسترشد، وبها يستنير ويستمد، وما كان للإسلام أن يبلغ هذا الشأو العظيم، وما كان له أن ينال هذا الفضل العميم، لو لا أنه سرى في حياة الناس سريانا عجيبا، دخل في جميع شؤونهم الدنيوية فقوَّمها وهذَّبها، وفق منطق فطرتهم السوية، وطبيعتهم البشرية، كما أنه تماشى مع جل تقاليدهم وأعرافهم، حتى أدركوا بعد ذلك أنَّ هذا الدين هو الحياة بكل ما تحويه الكلمة، فهذه الغاية المحمودة لم يُقادوا إليها لا جبرا ولا قسرا، وإنما هي القلوب التي ما لانت وما مالت إلا لسرٍّ مكنون، وهذا السر ـ ولا شك ـ هو تلك الرحمة وتلك الرأفة، أو لنقل هو حُسن سماحة هذا الدين؛ وهذه السَّماحة تتجلَّى بالضبط في تلك المعاملة التي عرفوها أولا وقبل كل شيء في الذين ساقوها إليهم من كأس صافية نقية، استمدتها من منبع النبوة الرائق، وعوها بعد أن أذعنوا لبارئهم فلزموها، وألزموا من بعدهم، فانتشر بذلك الضياء، ووسع مداه مشارق الأرض ومغاربها.
وماذا عن اليوم؟ هل جسَّدنا فيه هذا المصطلح؟ أين هو في قلوبنا؟