مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

08 باحامد- حكم مزنية الرجل ومزنية غيره

الجزء ٨ · صفحة ٩٨

فالشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج وصلاحيتها تمتد عبر الزمان والمكان، ولو اقتصرت على أصل الإبل، فكيف يدفع الدية من يعيش في العصر الحاضر في بيئة غير صحراوية حيث تنعدم فيه الإبل؟ فالحكمة جلية في هذا التنوع مع الاحتفاظ على القيمة المالية للأصل الأول.

الحكمة من اختيار "الإبل" أساس تقدير دية القتل

قدّر الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدر الدية بالإبل لا لخصوصية شرعية في الإبل، بل لأنها كانت في البيئة العربية هي المال الأساس المتوافر والمتداول في الحواضر والبوادي وتدفع أثمانا وأعواضا في المبادلات وسائر الالتزامات، إذ لم يكن حينئذ، الأثمان الأصلية، النقدين الذهب والفضة متوافرة في المدن الرئيسية والحواضر التي تمارس فيها التجارة على نطاق واسع، فقدرت الدية بالإبل إذ ذاك تيسيرا للأداء، لا لأن الإبل خاصية في التعويض لا توجد في سواها، بل لأنها إذ ذاك عند العرب في البيئة الأولى للإسلام تتوافر بكثرة وتحتاج إليها كل قبيلة، بل كل فرد لغذائه وتجواله وحله وترحاله، لذلك كانت هي الميزان في حساب المالية وتقدير القيم. ومن جهة أخرى فإن النقدين ــــ الذهب والفضة ــــ يغلو ويرخص أي يفقد قيمته الشرائية بعامل التضخم، لذلك كان ربط الدية بالأعيان دون النقود أكثر استقرارا وثباتا(1).

مالية الإبل هي أساس اختيارها أصلا للدية:

تبيّن لنا مما سبق أن أصل الدية هو الإبل وبيّنا حكمة ذلك، فالتساؤل المطروح الآن هل تقدير الإبل في الوقت الحاضر يرتبط بقيمتها المالية في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم بربطها بأثمانها الحالية؟

بما أن الأصل في الدية هو الإبل بأعيانها، فلا يمكن ربطها بقيمتها بالأثمان الحالية، إذ كان باستطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقول أن الدية ألف دينار أو ما يقابلها من الإبل كما حدد الزكاة بعشرين مثقال، ولكن حددّ الأصل فيها بأعيان الإبل لحكمة جليلة فتبقى كذلك، فقد أوردنا الأثر الذي رواه النسائي كيف أن النبيء - صلى الله عليه وسلم - عدّل من قيمة الدية حسب رخص وغلاء الإبل ما بين أربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار أو ما يعادلها من الفضة. إذن نستطيع أن نعرف مقدار الدية بناء على مالية الإبل في عهد النبيء - صلى الله عليه وسلم -

(1) -محمد رواس قلعه جي، الموسوعة الفقهية الميسرة، دار النفائس. مج:1، ص:667

٩١ / ٣٠٤