مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

21 إتبيرن - في رثاء الشيخ الناصر

الجزء ٢٢ · صفحة ٢٩٥

اليوم مات من علم أنه سيموت!

الباحث: رستم عيسى إتبيرن

قسم الدراسات العليا ـ جامعة الخروبة ـ الجزائر

الحمد لله الذي رفع قدر العلماء عاليَ المقامات، وجعلهم مصابيحَ هدى تضيء في حالك الظلمات، القائل في آياته المحكمات البينات: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾(1).

وأصلّي وأسلّم على خير الكائنات، من بعثه الله مرشداً للباقيات الصالحات، ومخرجاً الناسَ من براثين الجهل والضلالات، إلى أنوار العلم والهدايات، أما بعد:

فإنّ الله تعالى قد جعل شرف هذه الأمّة المحمّدية منوطاً بالعلم، وخيرُ ما يقرّر ذلك أنّ أول كلمة نزلت من القرآن هي قوله تعالى ﴿اقْرَأْ﴾(2)، وأنّ الله تعالى لم يأمر نبيه محمّدا - صلى الله عليه وسلم - بالاستزادة إلا من شيء واحد وهو العلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾(3).

وتعدّى شرفُ العلم بأن شرَّف حاملَه، ورفعَ درجاته عالياً، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: « … إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»(4)، وكفى بحيازة ميراث الأنبياء شرفاً.

وإنّ المهمّة التي يقوم بها العلماء في المجتمع والأمّة مهمّة عظيمة، ودورهم الذي يقومون به دورٌ جسيم، فهم يبلّغون الدين، ويعرّفون الناس بربّ العالمين، ويذكرونهم بلقائه، ويعلّمون الناس الحلال والحرام، وينوبون عن الأنبياء في ذلك؛ وبالتالي فإنَّ فقْدهم يُعتبر من أعظم الطامّات والرزيات التي يمكن أن تبتلى بها الأمّة، وفي الحديث: «موت قبيلة؛ أيسرُ من موت عالم»(5)، ويقول الإمام الحسن البصريّ رحمه الله: «موت العالم ثُلمة في الإسلام، لا يسدّها شيء ما اطّرد الليل

(1) - سورة المجادلة: الآية 11.

(2) - سورة العلق: الآية 01.

(3) - سورة طه: الآية 114.

(4) - رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع الصحيح وغيرهما عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أبو داود، كتاب: العلم، باب: الحث على طلب العلم، رقم: 3175، الترمذي، أبواب: العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، رقم: 2674.

(5) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وابن حجر العسقلاني في المطالب العالية عن أبي الدرداء رضي الله عنه، البيقهي، فصل: في فضل العلم وشرف مقداره، رقم: 1657، ابن حجر، كتاب: العلم، باب: الترغيب في طلب العلم والحث عليه، رقم: 3158.

٢٧٨ / ٣٠٤