مجلة الحياة، العدد 16 مجلة الحياة

22 الشيخ أحمد - المفهوم الغائب

الجزء ٢٣ · صفحة ٢٩٨

المفهومُ الغائب

الطالب: عيسى بن علي الشيخ أحمد

معهد العلوم الشرعية ــــ سلطنة عُمان

ب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم النبيين:

جدير بالمسلم أن يعرف دينه، ويدرس سنَّته وشرائعه، وحريٌّ به أن يعيَ حدوده، وعيا يدرؤه عن مواضع الشبهات، وفهما نيرًا يقرِّبه إلى مواطن الخيرات، استجابة لنداء الرب المعبود حين قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ فالحياة إذن مقرونة باستجابة كلية لله تعالى ورسوله … ولكن أي حياة؟

فإنما حياة الرفعة والشرف في الأولى، والسعادة الأبدية في الأخرى فلا يختلف اثنان في أنَّ الحياة المقصودة ليست بالتي يعيشها المرء، وهو بين أكل وشرب وعمل وشؤون أخرى … أو التي يستوي فيها المسلم وغيره، وهي بالطبع حياة كل إنسان يسكن أرجاء هذه البسيطة.

وليس الحديث الآن بصدد شرح أو تعريف، وليس المقصود منه توضيح وتفسير مصطلح ما، وإنما مدارُ الحديث عن مفهومٍ ما فتئ أن غاب عن العقول، عن مفهوم لم يظهر في ساحتنا إلا نادرًا، بيدَ أن كل واحد منا يعلمه، بل به تقوم حياته وهو «المعاملة».

فأغلبُنا إن لم نقل كلُّنا، يقيم الصلاة بأتمِّ أركانها، ويواظب على حضور مجالس الذكر، بل ويتميَّز فيها ربما، وذلك بحذاقة فكر، ورجاحة عقل، فيذكر المسائل الواردة في الموضوع، الأصليَّة منها والفرعية، كما أنَّه يسرُد كلَّ الخلافات بين المذاهب، والأقوال التي نتجت عن ذلك، فهذا كلُّه شيءٌ حسن ومطلوب، وإلى زيِّه الإسلامي الحسن ما يوحي إلى ذلك.

لكن إذا رأينا من زاوية أخرى لشخصيته، وأقصد الناحية السلوكية لهذا الشخص، أو لنقل معاملته مع الناس، نجدُها تفتقر إلى الكثير من المقومات الأساسية التي تُنهضه على أن يكون فردًا مسلما بحقّ، هي تلك الأخلاق التي بثَّت الروح في ثنايا الإسلام، ودبَّت فيه دبيب الغيث على الأرض الهامدة فاهتزت بعد ذلك وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وأضحى مع مرِّ العصور مضربًا لكل مثل، ومسلكا يحتذي بحذوه كل من رام الفضيلة في أسمى

٢٨١ / ٣٠٤