17 الحاج امحمد - ملامح من منهج تعامل فقهاء الإباضية مع السنة
الجزء ١٧ · صفحة ٢٣٩ولا غير ذلك من الاستيلاء والحفظ غير إنّا نقول أنّ الله تعالى فعل في العرش فعلا يسمّى به مستويا ولا نصف ذلك ولا نحدّه. قلنا فنحن لا نجد للاستواء في لغة العرب معنى إلاّ ما ذكرنا من الاستيلاء والحفظ أو على معنى ما يعقل من الحلول والتمكّن. ففي أيّ هذين الأمرين تغرمون من قولكم وعلى أيّهما تعتمدون، فنحن لا ندعكم حتّى تخرجوا بنا إلى أحد الوجهين إمّا قول إخوانكم من أصحاب المعقول والتمكُّن فذلك أروح لكم وأقيد لمقالتكم من الإقامة على اللّبسة والرّضا بالشّبهة، أو ترجعوا إلى قولنا ضرورة، وليس بين هذين الوجهين وجه تعتمدون عليه"(1).
وفي نفس السّياق جاء هذا الشرح يشترك مع جنس الرّدود في المسألة المتعلّقة بفهم النصّ القرآني، فهو يدحض كلّ تأويل للآيات المتشابهة خالف التّأويل الإباضي. وهو ما اتّضح مثلا في قوله: " … واحتجّوا (يقصد المشبّهة) في التّشبيه بالآيات المتقدّمة وما شاكلها من متشابه القرآن والله المستعان ونحن إن شاء الله ننقض ما ذهبوا إليه من تفسيرهم الآي وأظاهير الأحاديث على غير تفسيرها وحملهم لها على غير تأويلها آية آية إن شاء الله"(2). ثمَّ يشرع في النقض.
وأهمُّ ما وسم شرح الجيطالي في هذا السياق أنّه سعى إلى تجريد المقالات والإيغال في الحجاج، عبر استحضار مجادلين استحضارا صوريًّا جعلهم ماثلين عبر سياسة التقويل(3) في ذهنه، فوضع الأسئلة عن مختلف القضايا الخلافيَّة الخاضعة للجدل وأجاب عنها تباعا ردًّا ونقضا، دفاعا وتأصيلا. وهي سياسة بدت طاغية في الشرح وملازمة لأغلب مباحثه.
هكذا وبكلِّ السمات التي ميَّزت هذا الشرح، يمكن أن نعُدَّه بلا جدال من أجناس الردود دون أن يخرج ــــ وهو الطّريف في أمره ــــ عن خصائص جنسه الأصلي وهو الشرح، لغاية التوضيح والإفهام، ليساهم من خلال قراءة لطيفة ومتميِّزة للمنظومة النونية في تأصيل منظومة الاعتقاد الإباضي، تأصيلا يُبِين عن مقاصد متعدِّدة كامنة فيه هي محلُّ استقراءات جديدة وإن انصهرت جميعها في قالب وعظي إصلاحي.
- - -
(1) - الجيطالي: الشّرح. ورقة 139 قفا. ر أيضا الفصل المتعلّق بالرّؤية.
(2) - الجيطالي: الشّرح. ورقة 117 وجه.
(3) - تجلَّت سياسة التقويل في الشرح بكثرة من خلال عبارات افترضت وجود مخاطب من قبيل: "فإن قال قائل … قيل له"، "فإن قيل … قلنا"، "فإن قال ما معنى قولك … قيل له معنى ذلك … ".