ما قيل في السر وكتمانه
الجزء ١ · صفحة ١٩١فإنما معناه أفضل ممن قتلوا، على ذلك يدل الكلامُ. وقد أبان ما قلنا في بيته الثاني بقوله:
فخروا بمقتلهِ ولا يوفي به … مثنى سراتهم الذين نقتل
والقول الثاني في الآية: وهو أهون عليه عندكم، لأن إعادة الشيء عند الناس أهون من ابتدائه حتى يجعل شيئاً من لا شيء.
ثم نعود إلى الباب.
قال زهيرٌ:
ومهما تكن عند امرىءٍ من خليقةٍ … ولو خالها تخفى على الناس تعلمِ
فهذا مثل المثل الذي ذكرناه.
وقال عمرو بن العاص: إذا أنا افشيت سري إلى صديقي فأذاعه فهو في حل: فقيل له: وكيف ذاك؟ قال:أنا كنت أحق بصيانته.
وقال امرؤ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانهُ … فليس علي شيءٍ سواه بخزانِ
وأحسن ما سمع في هذا ما يعزى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقائل يقول: هو له، ويقول آخرون: قاله متمثلا، ولم يختلف في أنه كان يكثرُ إنشاده:
فلا تفش سرك إلا إليك … فإن لكل نصيح نصيحا
وإني رأيت غواة الرجا … ل لا يتركون أديماً صحيحا
وذكر العتبي أن معاوية بن أبي سفيان أسر إلى عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان حديثاً، قال عثمانُ: فجئت إلى أبي، فقلت: إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثاً، أفأحدثك به؟ قال: لا، إنه من كتم حديثه كان الخيارُ إليه، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تجعل نفسك مملوكاً بعد أن كنت مالكاً، فقلت له: أو يدخل هذا بين الرجل وابيه؟ فقال: لا، ولكني أكره أن تذلل لسانك بإفشاء السر، قال: فرجعت إلى معاوية، فذكرتُ ذلك له، فقال معاوية: أعتقك أخي من رقِّ الخطإ.
وقال معاوية: أعنت على علي رحمه الله بأربع: كنت رجلاً أكتمُ سري، وكان رجلاً ظهره، وكنت في أطوع جند وأصلحه، وكان في أخبث جندٍ وأعصاه، وتركته واصحاب الجمل وقلتُ: إن ظفروا به كانوا أهون علي منه، وإن ظفر بهم اعتددت بها عليه في دينه.ن وكنتُ أحب إلى قريشٍ منه، فيا لك من جامعٍ إلي ومفرق عليه! وعونٍ لي وعونٍ عليه! وقال أردشير: الداء في كل مكتومٍ.
وقال الأخطل:
إن العداوة تلقاها وإن قدمت … كالعر يكمن حيناً ثم ينتشرُ
وقال جميلٌ:
ولا يسمعن سري وسرك ثالثٌ … ألا كل سرٍّ جاوز اثنين شائعُ
وقال آخر، وهو مسكينُ الدرامي:
وفتيان صدقٍ لستُ أطلعُ بعضهم … على سر بعض غير أني جماعها
يظلون في الأرض الفضاء وسرهم … إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
لكل امرىء شعبٌ من القلب فارغٌ … وموضوعُ نجوى لا يرام اضطلاعها
وقال آخر:
سأكتمه سري وأحفظ سره … ولا غرني أني عليه كريمُ
حليم فينسى أو جهول يضيعه … وما الناس إلا جاهل وحليمٌ
وكان يقال: أصبر الناس من صبر على كتمان سره ولم يبدهِ لصديقه فيوشك أني صير عدواً فيذيعهُز وقال العتبي:
ولي صاحبٌ سري المكتومُ عنده … مخاريق نيرانٍ بليلٍ تحرقُ
عطفت على أسراره فكسوتها … ثياباً من الكتمانٍ لا تتخرق
فمن تكنِ الأسرار تطفو بصدره … فأسرارُ صدري بالأحاديث تغرقُ
فلا تودعن الدهر سرك أحمقاً … فإنك إن أودعته منه أحمقُ
وحسبكَ في سترِ الأحاديث واعظاً … من القول ما قال الأريبُ الموفقُ:
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه … فصدرُ الذي يستودعُ السر أضيقُ
وقال كعب بن سعدٍ الغنوي:
ولست بمبدٍ للرجال سريرتي … ولا أنا عن أسرارهم بسؤولِ
ولا أنا يوماً للحديث سمعتهُ … إلى ههنا من ههنا بنقولِ
وقد ذكرنا قول العباس بن عبد المطلب رحمه الله لابنه عبد الله: ن ذا الرجل قد اختصك دون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحفظ عني ثلاثاً: لا يجربن الرجل عليك كذباً، ولا تفشين له سراً، ولا تغتب عنده أحداً. فقيل لابن عباس: كل واحدةٍ منهن خيرٌ من ألفِ دينارٍ، فقال: كل واحدةٍ منهن خيرٌ من عشرةِ آلافٍ.
وقال بعض المحدثين:
لي حيلةٌ فيمن ينم … وليس في الكذاب حيلهْ
من كان يكذبُ ما يري … د فحيلتي فيه قليلهْ