الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من أخبار ذوي الحلم

الجزء ١ · صفحة ٢١١

وقال له مرة المنذر بن الجارود: أي رجل أنت لولا أمك! قال: فإني أحمد الله إليك، إني فكرت فيها البارحة، فأقبلت أنقلها في قبائل العرب، فما خطرت لي عبد القيس ببال .

ودخل عمرو مكة فرأى قوماً من قريش قد جلسوا حلقة، فلما رأوه رموه بأبصارهم، فعدل إليهم فقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري! قالوا: أجل، كنا نمثل بينك وبين أخيك هشام أيكما أفضل؟ فقال عمرو: إن لهشام علي أربعة: أمه ابنة هشام بن الغميرة، وأمي من قد عرفتم، وكان أحب إلى أبيه مني، وقد عرفتم معرفة الوالد بالولد، وأسلم قبلي واستشهد وبقيت.

قال أبو العباس: وقد أكثر الناس في الباب الذي ذكرناه، وإنما نذكر من الشيء وجوهه ونوادره.

قال رجل لرجل من آل الزبير كلاماً أقذع له فيه، فأعرض الزبيري عنه، ثم دار كلام فسب الزبيري علي بن الحسين، فأعرض عنه، فقال له الرجل الزبيري: ما يمنعك من جوابي؟ فقال علي: ما منعك من جواب الرجل!.

وقد روي قول القائل: لو قلت واحدة لسمعت عشراً، فقال له: ولكنك لو عقلت عشراً ما سمعت واحدة.

وقال الشاعر:

ولقد أمر على اللئيم يسبني … فأجوز ثم أقول لا يعنيني

وقال رجل لرجل - وسبه فلم يلتفت إليه: إياك أعني، فقال له الرجل: وعنك أعرض.

فأما قول الشعبي للرجل ما قال فمن غير هذا الباب، وإنما مخرجه الديانة، وذاك أن رجلاً سب الشعبي بأمور قبيحة نسبه إليها، فقال له الشعبي: إن كنت كاذباً فغفر الله لك، وإن كنت صادقاً فغفر الله لي.

وقال أبو العباس: قال رجل لأبي بكر الصديق رحمه الله: لأسبنك سباً يدخل معك قبرك، فقال: معك والله يدخل لا معي.

ويحدث ابن عائشة عن أبيه: أن رجلاً من أهل الشأم دخل المدينة، فقال: رأيت رجلاً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا أحسن لباساً ولا أفره مركباً منه، فسألت عنه، فقيل لي: الحسن بن علي بن أبي طالب، فقال: أنا ابن ابنه، فقلت له: فيك وبك وبأبيك، أسبهما. فقال: أحسبك غريباً! قلت: أجل. فقال: إن لنا منزلاً واسعاً ومعونة على الحاجة ومالا نواسي منه. فانطلقت وما أجد على وجه الأرض أحب إلي منه .

قال أبو العباس: ويتصل بهذا الباب ذكر من رغب برجل عن إرث رجل لا يشاكله، وولاية رجل لا يشابهه. قال الشاعر :

بكت دار بشر شجوها أن تبدلت … هلال بن قعقاع ببشر بن غالب

وما هي إلا كالعروس تنقلت … على رغمها من هاشم في محارب

للفرزدق حين ولي ابن هبيرة العراق وقال الفرزدق حين ولي العراق عمر بن هبيرة الغزاري بعقب مسلمة بن عبد الملك :

راحت بمسلمة البغال عشية … فارعي فزارة لا هناك المرتع!

ولقد علمت إذا فزارة أمرت … أن سوف يطمع في الإمارة أشجع

فأرى الأمور تنكرت أعلامها … حتى أمية عن عزارة تنزع

عزل ابن بشر وابن بشر وابن عمرو قبله … وأخو هراة لمثلها يتوقع

فلما ولي خالد بن عبد الله القسري على عمر بن هبيرة. قال رجل من بني أسد يجيب الفرزدق:

عجب الفرزدق من فزارة أن رأى عنها أمية بالمشارق تنزع

فلقد رأى عجباً وأحدث بعده … أمر تضج له القلوب وتفرع

بكت المنابر من فزارة شجوها … فاليوم من قسر تذوب وتجزع

وملوك خندف أسلمونا للعدى … لله در ملوكنا ما تصنع!

كانوا كتاركة بنيها جانباً … سفها وغيرهم تصون وترضع

الفرزدق أيضاً في هجاء عمرو بن هبيرة قال أبو العباس: وكان الفرزدق هجاء لعمر بن هبيرة عند ولايته العراق. وفي ذلك يقول ليزيد بن عبد الملك:

أمير المؤمنين وأنت بر … أمين لست بالطبع الحريص

أأطعمت العرقا ورافديه … فزارياً أحذ يد القميص

تفهق بالعراق أبو المثنى … وعلم قومه أكل الخبيص

ولم يكن قبلها راعي مخاض … ليأمنه على وركي قلوص

٢١١ / ٣٣٦