الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

وفود النابغة الجعدي على ابن الزبير

الجزء ١ · صفحة ٣٠٢

نبذ من كلام الحكماء في الموعظة

قال أبو العباس: كان الحسن يقول: الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره، لصرنا فيه إلى معصيته، وآجرنا على ما لا بد لنا منه.

يقول: كلفنا الصبر، ولو كلفنا الجزع لم يمكنا أن نقيم عليه، وآجرنا على الصبر، ولا بد لنا من الرجوع إليه.

وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يقول عند التعزية: عليكم بالصبر، فإن به يأخذ الحازم، وإليه يلجأ الجازع.

وقال للأشعث بن قيس: إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت موزور.

وقال الخزيمي:

ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته … عليه، ولكن ساحة الصبر أوسع

وفي هذا الشعر وإن لم يكن من هذا الباب:

وأعددته ذخراً لكل ملمةٍ … وسهم المنايا بالذخائر مولع

خطبة لأبي طالب

وخطب أبو طالب بن عبد المطلب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تزوجه خديجة بنت خويلد رحمة الله عليها، فقال؛ الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلداً حراماً، وبيتاً محجوجاً، وجعلنا الحكام على الناس؛ ثم إن محمد بن عبد الله، ابن أخي، من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه براً وفضلاً، وكرماً وعقلاً، ومجداً ونبلاً، وإن كان في المال قل، فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي.

وهذه الخطبة من أقصد خطب الجاهلية.

وفود النابغة الجعدي على ابن الزبير

ومن جميل محاورات العرب ما روي لنا عن يحيى بن محمد بن عروة، عن أبيه عن جده، قال: أقحت السنة علينا، النابغة الجعدي، فلم يشعر به ابن الزبير حين صلى الفجر حتى مثل بين يديه يقول:

حكيت لنا الصديق حين وليتنا … وعثمان والفارق فارتاح معدم

وسويت بين الناس في العدل فاستووا … فعاد صباحاً حالك الليل مظلم

أتاك أبو ليلى يشق به الدجى … دجى الليل جواب الفلاة عثمثم

لترفع منه جانباً ذعذعت به … صروف الليالي والزمان المصمم

فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فأيسر وسائلك عندنا الشعر، أما صفوة أموالنا فلبني أسد، وأما عفوتها فلآل الصديق، ولك في بيت المال حقان: حق لصحبتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق بحقك في المسلمين. ثم أمر له بسبع قلائص وراحلة رحيل. ثم أمر بأن توقر له حباً وتمراً. فجعل أبو ليلى يأخذ التمر فيستجمع به الحب فيأكله، فقال له ابن الزبير: لشد ما بلغ منك الجهد يا أبا ليلى! فقال النابغة: أما على ذاك لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما استرجمت قريش فرحمت وسئلت فأعطت، وحدثت فصدقت، ووعدت فأنجزت، فأنا والنبيون على الحوض فراط لقادمين " .

قوله: أقحمت السنة يكون على وجهين: يقال: اقتحم إذا دخل قاصداً، وأكثر ما يقال من غير أن يدخل، ويكون من القحمة، وهي السنة الشديدة، وهو أشبه الوجهين، والآخر حسن.

والسنة: الجدب، يقال: أصابتهم سنة إذا أصابهم جذب، ومن ذا قوله عز وجل: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين " الأعراف: 130، أي بالجدب.

وقوله: صفوة، فهي في معنى الصفو، وأكثر ما يستعمل الكسر، والباب في المصادر للحال الدائمة الكسر كقولك: حسن الجلسة والركبة والمشية والنيمة، كأنها خلقة.

والعفوة إنما هو ما عفا، أي ما فضل، " خذ العفو " الأعراف 199، قالوا: الفضل، وكذلك قوله جل اسمه: " ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو " البقرة 219.

وقوله: عثمثم، يريد الموثق الخلق الشديد.

وذعذعت، أي أذهبت ماله وفرقت حاله.

وقوله: راحلة رحيل، أي قوية على الرحلة معودة لها. ويقال: فحل فحيل، أي مستحكم في الفحلة، وفي الحديث أن ابن عمر قال لرجل: اشتر لي كبشاً لأضحي به، أملح، واجعله أقرن فحيلاً.

٣٠٢ / ٣٣٦