الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

تحريض شبل بن عبد الله على بني أمية

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

وقوله: فأنا والنبيون على الحوض فراط لقادمين، الفارط: الذي يتقدم القوم فيصلح لهم الدلاء والأرشية وما أشبه ذلك من أمرهم حتى يردوا، ومن ذلك قول المسلمين في الصلاة على الطفل: اللهم اجعله لنا سلفاً وفرطاً. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنا فرطكم على الحوض " . وكان يقال: يكفيك من قريش أنها أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم نسباً، ومن بيت الله بيتاً. ويقال: إن دار أسد ابن عبد العزى كان يقال لها: رضع الكعبة، وذلك أنها تفيء عليها الكعبة صباحاً، وتفيء على الكعبة عشياً، وإن كان الرجل من ولد أسد ليطوف بالبيت فينقطع شسع نعله فيرمي بنعله في منزله فتصلح له، فإذا عاد في الطواف رمي بها إليه، وفي ذلك يقول القائل:

لهاشم وزهير فضل مكرمة … بحيث حلت نجوم الكبش والأسد

مجاور البيت ذي الأركان بيتهما … ما دونهم في جوار البيت من أحد

وقال آخر:

سمين قريش مانع منك لحمه … وغث قريش حيث كان سمين

وقال آخر:

وإذا ما أصبته من قريش … هاشمياً أصبت قصد الطريق

وقال حرب بن أمية لأبي مطر الحضرمي يدعوه إلى حلفه ونزول مكة:

أبا مطر هلم إلى صلاح … فتكنفك الندامى من قريش

وتأمن وسطهم وتعيش فيهم … أبا مطر هديت لخير عيش

وتسكن بلدة عزت قديماً … وتأمن أن يزورك رب جيش

صلاح: اسم من أسماء مكة وكانت بلداً لقاحاً، واللقاح: الذي ليس في سلطان ملك، وكانت لا تغزى تعظيماً لها، حتى كان أمر الفجار، وإنما سمي الفجار لفجورهم إذ قاتلوا في الحرم. وكانت قريش تعز الحليف وتكرم المولى وتكاد تلحقه بالصميم، وكانت العرب تفعل ذلك، ولقريش فيه تقدم.

تحريض سديف على بني أمية

ودخل سديف مولى أبي العباس السفاح0 على أبي العباس أمير المؤمنين، وعنده سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقد أدناه وأعطاه يده فقبلها، فلما رأى ذلك سديف أٌبل على أبي العباس، وقال:

لا يغرنك ما ترى من أناس … إن تحت الضلوع داءً ودوياً

فضع السيف وارفع السوط حتى … لا ترى فوق ظهرها أموياً

فأقبل عليه سليمان فقال: قتلتني أيها الشيخ قتلك الله! وقام أبو العباس فدخل، فإذا المنديل قد ألقي في عنق سليمان ثم جر فقتل.

تحريض شبل بن عبد الله على بني أمية

ودخل شبل بن عبد الله مولى بني هاشم على عبد الله بن علي، وقد أجلس ثمانين رجلاً من بني أمية على سمط الطعام، فمثل بين يديه، فقال:

أصبح الملك ثابت الآساس … بالبهاليل من بني العباس

طلبوا وتر هاشم فشفوها … بعد ميل من الزمان وياس

لا تقلين عبد شمس عثاراً … واقطعن كل رقلة وأواسي

ذلها أظهر التودد منها … وبها منكم كحز المواسي

ولقد غاظني وغاظ سوائي … قربهم من نمارق وكراسي

أنزلوها بحيث أنزلها الل … ه بدار الهوان والإتعاس

واذكروا مصرع الحسين وزيداً … وقتيلاً بجانب المهراس

والقتيل الذي بحران أضحى … ثاوياً بين غربة وتناسي

نعم شبل الهراش مولاك شبل … لو نجا من حبائل الإفلاس!

فأمر بهم عبد الله فشدخوا بالعمد، وبسطت عليهم البسط، وجلس عليها، ودعا بالطعام، وإنه ليسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعاً وقال لشبل: لولا أنك خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك جميع أموالهم، ولعقدت لك على جميع موالي بني هاشم.

قوله: الآساس واحدها أس، وتقديرها فعل وأفعال وقد يقال للواحد: أساس، وجمعه أسس.

والبهلول: الضحاك.

وقوله:

بعد ميل من الزمان ويأس

يقال: فيك ميل علينا، وفي الحائط ميل، وكذلك كل منتصب.

وقوله: واقطعن كل رقلة، الرقلة: النخلة الطويلة، ويقال إذا وصف الرجل بالطول: كأنه رقلة.

والأواسي، ياؤه مشددة في الأصل وتخفيفها يجوز، ولو لم يجز في الكلام لجاز في الشعر؛ لأن القافية تقتطعه، وكل مثقل فتخفيفه في القوافي جائز، كقوله:

أصحوت اليوم أم شاقتك هر … ومن الحب جنون مستعر

وواحدها أسية وهي أصل البناء بمنزلة الأساس.

٣٠٣ / ٣٣٦