مرثية أعشى باهلة للمنتشر بن وهب
الجزء ١ · صفحة ٣١٩هد ركني عبد المجيد وقد كن … ت بركن أنوء منه شديد
فبعبد المجيد تأمور نفسي … عثرت بي بعد انتعاش جدودي
وبعبد المجيد شلت يدي اليم … نى وشلت به يمين الجود
وفي هذا الشعر:
فبرغمي كنت المقدم قبلي … وبكرهي دليت في الملحود
كنت لي عصمة وكنت سماء … بك تحيا أرضي ويخضر عودي
مرثية أعشى باهلة للمنتشر بن وهب
قال أبو العباس: وكانت العرب تقدم مراثي وتفضلها، وترى قائلها بها فوق كل مؤبن، وكأنهم يرون ما بعدها من المراثي منها أخذت، وفي كنفها تصلح. فمنها قصيدة أعشى باهلة، ويكنى أبا قحافة، التي يرثي بها المنتشر بن وهب الباهلي، وكان أحد رجليي العرب. قال الأخفش: هو منسوب إلى الرجل، وهم السعاة السابقون في سعيهم.
وكان من خبره أنه أسر صلاءة بن العنبر الحارثي، فقال: افتد نفسك. فأبى، فقال: لأقطعنك أنملة أنملة، وعضواً عضواً ما لم تفتد نفسك؛ فجعل يفعل ذلك به حتى قتله، ثم حج من بعد ذلك المنتشر ذا الخلصة - وهو بيت كانت خثعم تحجه، زعم أبو عبيدة أنه بالعبلات، وأنه مسجد جامعها، فدلت عليه بنو نفيل بن عمرو بن كلاب الحارثيين؛ فقبضوا عليه، فقالوا: لنفعلن بك كما فعلت بصلاءة. ففعلوا ذلك به، فلقي راكب أعشى باهلة، فقال له أعشى باهلة: هل من جائبة خبر؟ قال: نعم، أسرت بنو الحارث المنتشر، وكانت بنو الحارث تسمي المنتشر مجدعا، فلما صار في أيديهم قالوا: لنقطعنك كما فعلت بصلاءة، فقال أعشى باهلة يرثي المنتشر:
إني أتتني لسان لا أسر بها … من عل لا عجب منها ولا سخر
فبت مرتفقاً للنجم أرقبه … حيران ذا حذر لو ينفع الحذر!
فجاشت النفس لما جاء جمعهم … وراكب جاء من تثليث معتمر
يأتي على الناس لا يلوي على أحد … حتى التقينا وكانت دوننا مضر
ينعى امرأ لا تغب الحي جفنته … إذا الكواكب أخطا نوءها المطر
من ليس في خيره شر يكدره … على الصديق ولا في صفوة كدر
طاوي المصير على العزاء منصلت … بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر
لا تنكر البازل الكوماء ضربته … بالمشرفي إذا ما اجلوذ السفر
وتفزع الشؤل منه حين تبصره … حتى تقطع في أعناقها الجرر
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبه … وكل أمر سوى الفحشاء يأتمر
تكفيه فلذة كبد إن ألم بها … من الشواء ويكفي شربه الغمر
لا يتأرى لما في القدر يرقبه … ولا تراه أمام القوم يقتفر
لا يغمز الساق من أين ولا وصب … ولا يعض على شرسوفه الصفر
مهفهف أهضم الكشحين منخرق … عنه القميص، لسير الليل محتقر
عشنا بذلك دهراً ثم فارقنا … كذلك الرمح ذو النصلين ينكسر
فإن جزعنا فقد هدت مصيبتنا … وإن صبرنا فإنا معشر صبر
إني أشد حزيمي ثم يدركني … منك البلاء ومن آلائك الذكر
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه … من كل أوب وإن لم يأت ينتظر
إما يصبك عدو في مباوأة … يوماً فقد كنت تستعلي وتنتصر
لو لم تخنه نفيل وهي خائنة … ألم بالقوم ورد منه أو صدر
وراد حزب شهاب يستضاء به … كما يضيء سواد الطخية القمر
إما سلكت سبيلاً كنت سالكها … فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر
من ليس فيه إذا قاولته رهق … وليس فيه إذا عاسرته عسر
قوله: إني أتتني لسان يقال: هو اللسان وهي اللسان. فمن ذكر فجمعه ألسنة، ونظيره حمار وأحمرة، وفراش وأفرشة، وإزار وآزرة؛ ومن أنث قال: لسان وألسن، كما تقول: ذراع وأذرع، وكراع وأكرع؛ لا تبالي أمضموم الأول كان أو مفتوحاً أو مكسوراً إذا كان مؤنثاً، ألا ترى أنك تقول: شمال وأشمل قال أبو النجم:
يأتي لها من أيمن وأشمل