من مراثي الآباء والإخوة والأبناء
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦من مراثي الآباء والإخوة والأبناء
فقد قال أبو خراش الهذلي، وهو أحد حكماء العرب، يذكر أخاه عروة بن مرة:
تقول أراه بعد عروة لاهياً … وذلك رزء لو علمت جليل
فلا تحسبي أني تناسيت عهده … ولكن صبري يا أميم جميل
وقال عمرو بن معدي كرب:
كم من أخ لي حازم … بوأته بيدي لحدا
أعرضت عن تذكاره … وخلقت يوم خلقت جلدا
وكان يقال: من حدث نفسه بالبقاء، ولم يوطنها على المصائب فعاجز الرأي.
وعزى رجل رجلاً عن ابنه فقال: أكان يغيب عنك؟ قال: كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فأنزله غائباً عنك، فإنه إن لم يقدم عليك قدمت عليه.
وقال إبراهيم بن المهدي يذكر ابنه:
وإني وإن قدمت قبلي لعالم … بأني وإن أبطأت عنك قريب
وإن صباحاً نلتقي في مسائه … صباح إلى قلبي الغداة خبيب
وكفى باليأس معزياً، وبانقطاع الطمع زاجراً كما قال الشاعر:
أيا عمرو لم أصبر ولي فيك حيلة … ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر
تصبرت مغلوباً وإني لموجع … كما صبر العطشان في البلد القفر
وقال بعض المحدثين وليس بناقصه حظه من الصواب أنه محدث، يقوله لرجل رثاه قال أبو الحسن: وهو أبو تمام:
عجبت لصبري بعده وهو ميت … وقد كنت أبكيه دماً وهو غائب
على أنها الأيام قد صرن كلها … عجائب حتى ليس فيها عجائب
وحدثت أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه عبد الملك خطب الناس فقال: الحمد لله الذي جعل الموت حتماً واجباً على عباده، فسوى فيه بين ضعيفهم وقويهم، ورفيعهم ودنيهم، فقال عز وجل: " كل نفس ذائقة الموت " آل عمران 185، فليعلم ذوو النهي منهم أنهم صائرون إلى قبورهم، مفردون بأعمالهم. واعلموا أن لله مسألة فاحصة، قال عز وجل: " فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعلمون " الحجر: 92 - 93، وله يقول القائل:
تعز أمير المؤمنين فإنه … لما قد ترى يغذي الصغير ويولد
هل ابنك إلا من سلالة آدم … لكل على حوض المنية مورد
وقال رجل من قريش يرثي ابنه قال أبو الحسن: هو العتبي.
بأبي وأمي من عبأت حنوطه … بيدي وودعني بماء شبابه
كيف السلو وكيف صبري بعده … وإذا دعيت فإنما أكنى به!
وقال ابن لعمر بن عبد العزيز يرثي عاصم بن عمر:
فإن يك حزن أو تجزع غصة … أماراً نجيعاً من دم الجوف منقعا
تجرعته في عاصم واحتسيته … لأعظم منه ما احتس وتجرعا
وقال أبو سعيد إسحاق بن خلف يرثي ابنة أخته، وكان تبناها، وكان حدباً عليها كلفاً بها:
أمست أميمة معموراً بها الرجم … لقى صعيد عليها الترب مرتكم
يا شقة النفس إن النفس والهة … حرى عليك ودمع العين منسجم
قد كنت أخشى عليها أن تقدمني … إلى الحمام فيبدي وجهها العدم
فالآن نمت فلا هم يؤرقني … يهدا الغيور إذا ما أودت الحرم
للموت عند أياد لست أنكرها … أحيا سروراً وبي مما أتى ألم
وهذا المرثية ليست مما تقع مع الجزع القراح والحزن المفرط، ولكنه باب للمراثي يجمع إفراط الجزع، وحسن الاقتصاد، والميل إلى التشكي، والركون إلى التعزي، وقول من كان له واعظ من نفسه، أو مذكر من ربه، ومن غلبت عليه الجساوة، وكان طبعه إلى القساوة، فقد اختلط كل بكل.
وقال رجل من المحدثين يرثي أباه:
تحل رزيات وتعرو مصائب … ولا مثل ما أنحت علينا يد الدهر
لقد عركتنا للزمان ملمة … أذمت بمحمود الجلادة والصبر
فهذا يحسن من قائله أن الرزء كان جليلاً بإجماع، فللقائل أن يتفسح في القول فيه.
وهذا يقوله عبد العزيز بن عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس. وكان عبد الرحيم من جلة أهله لسناً ونعمة وسناً وولاية، ومات معزولاً عن اليمن في حبس الخليفة. وأم جعفر بن سليمان أم حسن بنت جعفر بن حسن بن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليهم. فلذلك يقول عبد العزيز في هذه القصيدة: