الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

ممن ظهرت عليهم القسوة عند الموت

الجزء ١ · صفحة ٣٢٤

ولما احتضر حجر بن عدي ليقتل، سأل أن يمهل حتى يصلي ركعتين، وظهر منه جزع شديد،، فقال له قائل: أتجزع! فقال: وكيف لا أجزع! سيف مشهور، وكفن منشور، وقبر محفور، ولست أدري أيؤديني إلى جنة، أم إلى نار.

قال أبو الحسن: ما يقوم بقتل حجر بن عدي شيء! وإني لأعجب من قوله هذا: ولست أدري أيدنيني إلى جنة أو إلى نار، وهو شهيد الشهداء، رحمه الله!.

وقد ذكرنا موت عمرو بن العاص وكلامه عند الموت.

ممن ظهرت عليهم القسوة عند الموت

ومن ظهرت منه عند الموت قسوة حلحلة الفزاري، وسعيد بن أبان بن عيينة بن حصن الفزاري، فإن عبد الملك لما أحضرهما ليقيد منهما قال لحلحة: صبراً حلحل! فقال إي والله:

أصبر من ذي ضاغط عركرك … ألقى بواني زوره للمبرك

ثم قال لابن الأسود الكلبي: أجد الضربة، فإني والله ضربت أباك ضربة أسلحته، فعددت النجوم في سلحته. ثم قال عبد الملك لسعيد بن أبان: صبراً سعيد! فقال: إي والله!.

أصبر من عود بجنبيه الجلب … قد أثر البطان فيه والحقب

ومنهم وكيع بن أبي سود، أحد بني غدانة بن يربوع، فإنه لما يئس منه خرج الطبيب من عنده، فقال له محمد ابنه: ما تقول؟ فقال: لا يصلي الظهر، وكان محمد ناسكاً، فدخل إلى أبيه، فقال له أبوه وكيع: ما قال لك المعلوج؟ قال: وعد أنك تبرأ، قال: أسألك بحقي عليك! قال: ذكر أنك لا تصلي الظهر، قال: ويلي على ابن الخبيثة! والله لو كانت في شدقي للكتها إلى العصر.

ويروى أن إبراهيم النخعي قال في الحديث الذي ذكرناه: والله لوددت أنها تلجلج في حلقي إلى يوم القيامة. وفي وكيع بن أبي سود يقول الفرزدق:

لقد رزئت بأساً وحزماً وسودداً … تميم بن مر يوم مات وكيع

وما كان وقافاً وكيع إذا دنت … سحائب موت وبلهن نجيع

إذا التقت الأبطال أبصرت لونه … مضيئاً وأعناق الكماة خضوع

فصبراً تميم إنما الموت منهل … يصير إليه صابر وجزوع

وقال أيضاً:

لتبك وكيعاً خيل ليل مغيرة … تساقي المنايا بالردينية السمر

لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة … دعوها وكيعاً والجياد بهم تجري

ومن الجفاة عند الموت هدبة نب خشرم العذري، وكان قتل زيادة بن زيد العذري، فلما حمل إلى معاوية، تقدم معه عبد الرحمن أخو زيادة بن زيد، فادعى عليه، فقال له معاوية: ما تقول؟ قال: أتحب أن يكون الجواب شعراً أم نثراً؟ قال: بل شعراً فإنه أمتع، فقال هدبة:

فلما رأيت أنما هي ضربة … من السيف أو إغضاء عين على وتر

عمدت لأمر لا تعير والدي … خزايته ولا يسب به قبري

رمينا فرامينا فصاد سهمنا … منية نفس في كتاب وفي قدر

وأنت أمير المؤمنين فما لنا … وراءك من معدى ولا عنك من قصر

فإن تك في أموالنا لا نضق بها … ذراعاً، وإن صبر فنصبر للصبر

فقال له معاوية: أراك قد أقررت يا هدبة! قال: هو ذاك، فقال عبد الرحمن: أقدني، فكره ذاك معاوية وضن بهدبة عن القتل - وكان ابن زيادة صغيراً - فقال له معاوية: أوما عليك أن تشفي صدرك وتحرم غيرك! ثم وجه به إلى المدينة فقال: يحبس إلى أن يبلغ ابن زيادة، فبلغ.

وكان والي المدينة سعيد بن العاصي، فمما وقف عليه من قسوته قوله:

ولما دخلت السجن يا أم مالك … ذكرتك والأطراف في حلق سمر

وعند سعيد غير أن لم أبح به … ذكرتك إن الأمر يذكر بالأمر

فسئل عن هذا القول، فقال: لما رأيت ثغر سعيد - وكان سعيد حسن الثغر جداً - وذكرت به ثغرها.

ويقال إنه عرض على ابن زيادة عشر ديات فأبى إلا القود، وكان ممن عرض الديات عليه ممن ذكر لنا، الحسين بن علي وعبيد الله بن جعفر، عليهما السلام، وسعيد بن العاصي، ومروان بن الحكم، وسائر القوم من قريش والأنصار، فلما خرج به ليقاد بالحرة جعل ينشد الأشعار، فقالت له حبى المدينية: ما رأيت أقسى قلباً منك! أتنشد الأشعار وأنت يمضى بك لتقتل، وهذه خلفك كأنه ظبي عطشان تولول! تعني امرأته، فوقف ووقف الناس معه، فأقبل على حبى فقال:

٣٢٤ / ٣٣٦