الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

من أخبار من وقفوا على القبور

الجزء ١ · صفحة ٣٢٥

ما وجدت وجدي بها أم واحد … ولا وجد حبي بابن أم كلاب

رأته طويل الساعدين شمردلا … كما انتعتت من قوة وشباب

فأغلقت حبى الباب في وجهه وسبته.

وعرض له عبد الرحمن بن حسان، فقال: أنشدني، فقال له: أعلى هذه الحال! قال: نعم، فأنشده:

ولست بمفراح إذا الدهر سرني … ولا جازع من صرفه المتقلب

ولا أتبغى الشر والشر تاركي … ولكن متى أحمل على الشر أركب

وحربني مولاي حتى غشيته … متى ما يحربك ابن عمك تحرب

فلما قدم نظر إلى امرأته، فدخلته غيرة، وقد كان جدع في حربهم، فقال:

فإن يك أنفي بان منه جماله … فما حسبي في الصالحين بأجدعا

فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا … أغم القفا والوجه ليس بأنزعا

فقالت: قفوا عنه ساعة، ثم مضت ورجعت وقد اصطلمت أنفها! فقالت: أهذا فعل من له في الرجال حاجة! فقال: الآن طاب الموت، ثم أقبل على أبويه فقال:

أبلياني اليوم صبراً منكما … إن حزناً منكما اليوم لشر

ما أظن الموت إلا هيناً … إن بعد الموت دار المستقر

ثم قال:

أ ذا العرش إني عائذ بك مؤمن … مقر بزلاتي إليك فقير

وإني وإن قالوا أمير مسلط … وحجاب أبواب لهن صرير

لأعلم أن الأمر أمرك إن تدن … فرب وإن تغفر فأنت غفور

ثم قال لابن زيادة: أثبت قدميك، وأجد الضربة، فإني أيتمتك صغيراً، وأرملت أمك شابة.

وبزعم بعض أصحاب الأخبار أنه قال: ما أجزع من الموت، وآية ذلك أني أضرب برجيل اليسرى بعد القتل ثلاثاً؛ وهو باطل موضوع، ولكن سأل فك قيوده، ففكت، فذلك حيث يقول:

فإن تقتلوني في الحديد فإنني … قتلت أخاكم مطلقاً لم يقيد

من أخبار من وقفوا على القبور

قال أبو العباس: ووقف حبار بن سلمى على قبر عامر بن الطفيل، ولم يكن حضره، فقال: أنعم صباحاً أبا علي! فوالله لقد كنت سريعاً إلى المولى بوعدك، بطيئاً عنه بإيعادك، ولقد كنت أهدى من النجم، وأجرى من السيل. ثم التفت إليهم فقال: كان ينبغي أن تجعلوا قبر أبي علي ميلاً في ميل! وذكر الحرمازي أن الأحنف بن قيس لما مات، وكان موته بالكوفة، مشى المصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سيد العرب، فلما دفن قامت امرأة على قبره - أحسبها من بني منقر - فقالت: لله درك من مجن في جنن، ومدرج في كفن! فنسأل الذي فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الخير دليلك، وأن يوسع لك في قبرك، ويغفر لك يوم حشرك، وفوالله لقد كنت في المحافل شريفاً، وعلى الأرامل عطوفاً، ولقد كنت في الحي مسوداً، وإلى الخليفة موفداً، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متبعين. قال: فقال الناس: ما سمعنا كلام امرأة أبلغ ولا أصدق معنى منها.

ووقف رجل على قبر النجاشي فترحم وقال: لولا أن القول لا يحيط بما فيك، والوصف يقصر دونك لأطنبت، بل لأسهبت. ثم عقر ناقته على قبره، وقال:

عقرت على قبر النجاشي ناقتي … بأبيض عضب أخلصته صياقله

على قبر من لو أنني مت قبله … لهانت عليه عند قبري رواحله

وروى ابن دأب أن حسان بن ثابت الأنصاري اجتاز بقبر ربيعة بن مكدم فأنشد:

لا يبعدن ربيعة بن مكدم … وسقى الغوادي قبره بذنوب

نفرت قلوصي من حجارة حرة … نصبت على طلق اليدين وهوب

لا تنفري يا ناق منه فإنه … شريب خمر مسعر لحروب

لولا السفار وطول قفر مهمه … لتركتها تحبو على العرقوب

نعم الفتى أدى نبيشة رحله … يوم الكديد نبيشة بن حبيب

وربيعة بن مكدم - رجل من بني كنانة، وكان قتله أهبان بن غادية الخزاعي، وقيس تقول: قتله نبيشة بن حبيب السلمي، وكان أهبان أخا نبيشة لأمه، وكان أتاه زائراً. وأغار ربيعة بن مكدم على بني سليم، فخرج أهبان مع أخيه، فحمل عليه فقتله، وحمل أخو ربيعة على أهبان فقتله، فلأنه في بني سليم، قال حسان:

نفرت قلوصي من حجارة حرة

لأن الحرة هناك لبني سليم، وفي تصداق ما تدعيه خزاعة يقول أهبان:

٣٢٥ / ٣٣٦