الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

خبر عامر بن الطفيل وأربد أخي لبيد

الجزء ١ · صفحة ٣١٠

فلما تفرقنا كأني ومالكاً … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

ومات صديق لسلميان بن عبد الملك، يقال له شراحيل، فتمثل عند قبره:

وهون وجدي عن شراحيل أنني … إذا شئت لاقيت امرأ مات صاحبه

لأعرابي

وقال أعرابي:

ألا لهف الأزامل واليتامى … ولهف الباكيات على قصي!

لعمرك ما خشيت على قصي … متالف بين حجر والسلي

ولكني خشيت على قصي … جريرة رمحه في كل حي

فتى الفتيان محلول ممر … وأمار بإرشاد وغي

فهذا من أجفى أشعار العرب، ينبئ صاحبه أن تقديره في المرثي أن تكن منيته قتلاً، ويتأسف من موته حتف أنفه، ويقول في مدحه:

وأمار بإرشاد وغي

خبر عامر بن الطفيل وأربد أخي لبيد

وشبيه بهذا قول لبيد في أخيه أربد، لما أصابته الصاعقة وأصابت عامراً الغدة بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عامر قد قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أربد، فقال لأربد: أنا أشغله لك واضربه أنت بالسيف من ورائه، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام على أن يجعل له أعنة الخيل، فقال عامر: ومن يمنعها مني اليوم! ولكن إن شئت ذلك المدر ولي الوبر، أو لي المدر ولك الوبر. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فاجعل لي هذا الأمر بعدك، فأعلمه النبي أن ذلك ليس بكائن، قال: فأبشر بخيل أولها عندك وآخرها عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يأبى الله ذلك وابنا قيلة " يعني الأوس والخزرج.

ويروى أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، علام يسحب هذا الأعرابي لسانه عليك! دعني أقتله.

ويروى أن عامراً قال للنبي عليه السلام: لأغزونك على ألف أشقر وألف شقراء، فلما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اكفنيهما " . وتروي قيس أنه قال: " اللهم إن لم تهد عامراً فاكفنيه " . وقال عامر لأربد: قد شغلته عنك مراراً فألا ضربته! قال: أربد: أردت ذلك مرتين فاعترض لي في إحداهما حائط من حديد، ثم رأيتك الثانية بيني وبينه، أفأقتلك! فلم يصل واحد منهما إلى منزله، أما عامر فغد في ديار بني سلول بن صعصة، فجعل يقول: أغدة كغدة البعير وموتاً في بيت سلولية! وأما أربد فارتفعت له سحابة فرمته بصاعقة فأحرقته، وكان أخا لبيد لأمه، فقال يرثيه:

أحشى على أربد الحتوف ولا … أرهب نوء السماك والأسد

ما إن تعري المنون من أحد … لا والد مشفق ولا ولد

فجعني الرعد والصواعق بالق … ارس يوم الكريهة النجد

يا عين هلا بكيت أربد إذ … قمنا وقام العدو في كبد

وقال أيضاً:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب

يتحدثون مخانة وملاذة … ويعاب قائلهم وإن لم يشغب

يا أربد الخير الكريم جدوده … غادرتني أمشي بقرن أعضب

إن الرزيئة لا رزيئة مثلها … فقدان كل أخ كضوء الكوكب

قوله: في خلف يقال: هو خلف فلان لمن يخلفه من رهطه، وهؤلاء خلف فلان؛ إذا قاموا مقامه من غير أهله، وقلما يستعمل خلف إلا في الشر، وأصله ما ذكرنا. والمخانة: مصدر من الخيانة. والملوذ: الذي لا يصدق في مودته، يقال: رجل ملوذ وملذان، وملاذة مصدره. والأعضب: المقطوع. وفي الحديث: لا يضحى بعضباء.

ويروى أن رجلاً قال لمعن بن زائدة في مرضه: لولا ما من الله به من بقائك، لكنا كما قال لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجر

فقال له معن: إنما تذكر أني سدت حين ذهب الناس؛ هلا قلت كما قال نهار بن توسعة:

قلدته عرى الأمور نزار … قبل أن تهلك السراة البحور

ثم نرجع إلى ذكر المراثي:

لأعرابي

وقال أعرابي:

لعمري لقد نادى بأرفع صوته … نعي حيي أن سيدكم هوى

أجل صادقاً والقائل الفاعل الذي … إذا قال قولاً أنبط الماء في الثرى

فتى قبل لم تعنس السن وجهه … سوى وضح في الرأس كالبرق في الدجى

٣١٠ / ٣٣٦