من مراثي الخنساء
الجزء ١ · صفحة ٣١٤فإن تقتلوا منا كريماً فإننا … قتلنا أمير المؤمنين بخالد
وإن تشغلونا عن ندانا فإننا … شغلنا وليداً عن بناء الولائد
تركنا أمير المؤمنين بخالد … مكباً على خيشومه غير ساجد
وقال الخزاعي بعد: قتلنا بالفتى القسري منهم وليدهم أمير المؤمنينا
ومرواناً قتلنا عن يزيد … كذاك قضاؤنا في المعتدينا
وبابن السمط منا قد قتلنا … محمداً بن هارون الأمينا
فمن يك قتله سوقاً فإنا … جعلنا مقتل الخلفاء دينا
وقولها: ويرحل قبل فيء الهواجر تريد أنه متيقظ ظعان والمولى في قولها: إذا مولاك خاف ظلامة يحتمل ضروباً، فالمولى ابن العم، وقوله عز وجل: " وإني خفت الموالي من ورآءي " مريم 5؛ يريد بني العم؛ قال الفضل بن العباس:
مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا … لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
ويكون المولى المعتق؛ ويكون المولى من قوله جل ثناؤه: " وأن الكافرين لا مولى لهم " محمد11. ويكون المولى الذي هو أحق وأولى منه قوله: " مأواكم النار هي مولاكم " الحديد15، أي أولى بكم. والمولى: المالك. وقولها: ولم يبن أبراداً تريد الخيام.
قال أبو العباس: وكانت الخنساء وليلى بائنتين في أشعارهما، متقدمتين لأكثر الفحول، ورب امرأة تتقدم في صناعة، وقلما يكون ذلك، والجملة ما قال الله عز وجل: " أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين " الزخرف18.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن المرأة خلقت من ضلع عوجاء، وإنك إن ترد إقامتها، تكسرها، فدارها تعش بها " .
فممن ندر من النساء في باب من الأبواب: أم أيوب الأنصارية، أم الدرداء، ورابعة القيسية ومعاذة العدوية، فإن هؤلاء النسوة تقدمن في الفضل والصلاح، على تقدم بعضهن بعضاً.
حدثني الجاحظ عن إبراهيم بن السندي، قال: وكانت تصير إلي هاشمية جارية حمدونة في حاجات صاحبتها، فأجمع نفسي لها، وأطرد الخواطر عن فكري، وأحضر ذهني جهدي، خوفاً من أن تورد علي ما لا أفهمه، لبعد غورها، واقتدارها على أن تجري على لسانها ما في قلبها.
وكذلك ما يؤثر عن خالصة وعتبة جاريتي ربطة بنت أبي العباس. فأما النساء الأشراف فإن القول فيهن كثير متسع.
من مراثي الخنساء
فمما ندر من شعر الخنساء قولها ترثي صخراً:
يا صخر وراد ماء قد تناذره … أهل المياه وما في ورده عار
مشى السبنتى إلى هيجاء معضلة … له سلاحان: أنياب وأظفار
وما عجول على بو تحن له … لها حنينان: إغلان وإسرار
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت … فإنما هي إقبال وإدبار
يوماً بأوجع مني يوم فارقني … صخر، وللعيش إخلاء وإمرار
وإن صخراً لوالينا وسيدنا … وإن صخراً إذا نشتو لنحار
وإن صخراً لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار
لم تره جارة يمشي بساحتها … لريبة حين يخلي بيته الجار
قولها:
يا صخر وراد ماء قد تناذره … أهل المياه وما في ورده عار
تعني الموت، أي لإقدامه على الحرب.
والسبنتي والسبندي واحد، وهو الجريء الصدر، وأصله في النمر.
والعجول: التي فارقها ولدها.
والبو، قد مضى تفسيره، وكذلك فإنما هي إقبال وإدبار، وقد شرحنا كيف مذهبه في النحو.
وقولها: إلى هيجاء معضلة تعني الحرب.
وقولها: بأنه علم في رأسه نار فالعلم الجبل، قال الله جل وعز: " وله الجوار المنشئآت في البحر كالأعلام " الرحمن 24، وقال جرير.
إذا قطعن علماً بدا علم
ومن حسن شعرها قولها:
أعيني جوداً ولا تجمدا … ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريء الجميل ألا تبكيان الفتى السيدا
طويل النجاد رفيع العما … د ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدوا بأيديهم … إلى المجد مد إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم … من المجد ثم مضى مصعدا
يكلفه القوم ما عالهم … وإن كان أصغرهم مولدا
ترى الحمد يهوي إلى بيته … يرى أفضل الكسب أن يحمدا