مراثي يعقوب بن الربيع في جارية له
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧وحدثني رجل من أصحابنا، قال: شهدت رجلاً في طريق مكة معتكفاً على قبر، وهو يردد شيئاً ودموعه تكف من لحيته، فدنوت إليه لأسمع ما يقول، فجعلت العبرة تحول بينه وبين الإبانة، فقلت له: يا هذا! فرفع رأسه إلي، وكأنما هب من رقدة، فقال: ما تشاء؟ فقلت: أعلى ابنك تبكي؟ قال: لا، قلت: فعلى أبيك؟ قال: لا، ولا على نسيب ولا صديق، ولكن على من هو أخص منهما، قلت: أو يكون أحد أخص من ذكرت؟ قال: نعم، من أخبرك عنه، إن هذا المدفون كان عدواً لي من كل باب، يسعى علي في نفسي وفي مالي وفي ولدي فخرج إلى الصيد أيأس ما كنت من عطبه، وأكمل ما كان من صحته، فرمى ظبياً فأقصده، فذهب ليأخذه، فإذا هو قد أنفذه حتى نجم سهمه من صفحة الظبي، فعثر فتلقى بفؤاده ظبة السهم، فلحقه أولياؤه فانتزعوا السهم وهو والظبي ميتان، فنمى إلي خبره، فأسرعت إلى قبره معتبطاً بفقده، فإني لضاحك السن؛ إذ وقعت عيني على صخرة، فرأيت عليها كتاباً، فهلم فاقرأه، وأومأ إلى الصخرة، فإذا عليها:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا … أقمنا قليلاً بعدهم وتقدموا
قلت: أشهد أنك تبكي على من بكاؤك عليه أحق من النسيب.
مراثي يعقوب بن الربيع في جارية له
ومما استطرفنا من شعر المحدثين قول يعقوب بن الربيع في جارية طالبها سبع سنين، بيذل فيها جاهه وماله وإخوانه حتى ملكها، فأقامت عنده ستة أشهر ثم ماتت، فقال فيها أشعاراً كثيرة، اخترنا منها بعضها، من ذلك قوله:
لله آنسة فجعت بها … ما كان أبعدها من الدنس!
أتت البشارة والنعي معاً … يا قرب مأتمها من العرس!
يا ملك نال الدهر فرصته … فرمى فؤاداً غير محترس
كم من دموع لا تجف ومن … نفس عليك طويلة النفس
أبكيك ما ناحت مطوقة … تحت الظلام تنوح في الغلس
يا ملك في وفيك معتبر … ومواعظ يوحشن ذا الأنس
ما بعد فرقة بيننا أبداً … في لذة درك لملتمس
وأخذ ما في صدر هذا الكلام من قول القائل:
رب مغروس يعاش به … فقدته كف مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه … أقرب الأشياء من عرسه
وقريب من هذا قول امرأة شريفة ترثي زوجها ولم يكن دخل بها:
أبكيك لا للنعيم والأنس … بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على فارس فجعت به … أرملني قبل ليلة العرس
يا فارساً بالعراء مطرحاً … خانته قواده مع الحرس
من لليتامى إذا هم سغبوا … وكل عان وكل محتبس!
أم من لبر أم من لفائدة … أم من لذكر الإله في الغلس!
ومما استطرفه من شعر يعقوب قوله:
ليت شعري بأي ذنب لملك … كان هجري لقبرها واجتنابي!
ألذنب حقدته كان منها … أم لعلمي بشغلها عن عتابي!
أم لامني لسخطها رضاها … حين واريت وجهها في التراب!
ما وفى في العباد حي لميت … بعد يأس منه له في الإياب
وفي هذا الشعر:
إنما حسرتي إذا ما تذكر … ت عنائي بها وطول طلابي
لم أزل في الطلا سبع سنيني … أتأتى لذاك من كل باب
فاجتمعنا على اتفاق وقدر … وغنينا عن فرقة باصطحاب
أشهراً ستة صحبتك فيها … كن كالحلم أو كلمع السراب
وأتاني النعي منك مع البش … رى فيا قرب أوبة من ذهاب!
ومن مليح شعره قوله يرثيها:
حتى إذا فتر اللسان وأصبحت … للموت قد ذبلت ذبول النرجس
وتسللت منها محاسن وجهها … وعلا الأنين تحثه بتنفس
رجع اليقين مطامعي يأساً كما رجع اليقين مطامع المتلمس ومن مليح شعره أيضاً قوله:
فجعت بملك وقد أينعت … وتمت فأعظم بها من مصيبه!
فأصبحت مغترباً بعدها … وأمست بحلوان ملك غريبة
أراني غريباً وإن أصبحت … منازل أهلي مني قريبه
فأقبلت أبكي وتبكي ومعي … بكاء كئيب بحزن كئيبه