الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

وقوف رجل على قبر عدوه

الجزء ١ · صفحة ٣٢٦

ولقد طعنت ربيعة بن مكدم … يوم الكديد فخر غير موسد

في عارض شرق بنات فؤاده … منه بأحمر كالنقيع المجسد

ولقد وهبت سلاحه وجواده … لأخي نبيشة قبل لوم الحسد

وقال أخو ربيعة يجيبه:

فات ابن غادية المنية بعد ما … رفعت أسفل ذيله بالمطرد

قل لابن غادية المتاح لقتلنا … ما كان يقتلنا الوحيد المفرد

يريد أن أهبان مفرد من قومه في أخواله.

وقال أيضاً:

فإن تذهب سليم بوتر قومي … فأسلم من منازلنا قريب

لليلى الأخيلية ترثي توبة

وقالت ليلى الأخيلية:

آليت أبكي بعد توبة هالكاً … وأحفل من دارت عليه الدوائر

لعمرك ما بالموت عار على الفتى … إذا لم تصبه في الحياة المعاير

فلا يبعدنك الله يا توب إنما … لقاء المنايا دارعاً مثل حاسر

ويورى:

فلا يبعدنك الله يا توب هالكاً … أخا الحرب إن دارت عليه الدوائر

فكل جديد أو شباب إلى بلى … وكل امرئ يوماً إلى الله صائر

وذكر المدائني أن رجلاً عزى رجلاً أفرط عليه الجزع على ابنه فقال: يا هذا، سررت به وهو حزن وفتنة، وجزعت عليه وهو صلاة ورحمة، فسري عنه. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعزوا عن مصائبكم بي " . وقال رجل لابن عمر: أعظم الله أجرك، فقال: نسأل الله العافية! معناه: أنه لما قال له: " أعظم الله أجرك " ، إنما دعا بأن يكثر ما يؤجر عليه، ودل على أنه من باب المصائب تعزيته إياه.

وهذا باب طريف من أشعار المحدثين

لمطيع بن إياس في يحيى بن زياد

قال مطيع بن إياس الليثي يرثي يحيى بن زياد الحارثي وكان صديقه، وكانا مرميين جميعاً بالخروج عن الملة:

يا أهل بكوا لقلبي القرح … ولدموع الهوامل السفح

راحوا بيحيى إلى مغيبه … في القبر بين التراب والصفح

راحوا بيحيى ولو تطاوعني ال … أقدار لم يبتكر ولم يرح

يل خير من يحسن البكاء له ال … يوم ومن كان أمس للمدح

وفي يحيى يقول مطيع لنبوة كانت بينهما:

كنت ويحيى كيدي واحد … نرمي جميعاً ونرامي معا

إن سره الدهر فقد سرني … أو حادث ناب فقد أفظعا

أو نام نامت أعين أربع … منا، وإن هب فلن أهجعا

حتى إذا ما الشيب في عارضي … لاح وفي مفرقه أسرعا

سعى وشاة طبن بيننا … فكاد حبل الوصل أن يقطعا

فلم ألم يحيى على حادث … ولم أقل خان ولا ضيعا

لأبي عبد الرحمن العتبي يرثي على بن سهل

وقال أبو عبد الرحمن العتبي يرثي علي بن سهل بن الصباح وكان له صديقاً:

يا خير إخوانه وأعطفهم … عليهم راضياً وغضبانا

أمسيت حزناً وصار قربك لي … بعداً وصار اللقاء هجرانا

إنا إلى الله راجعون لقد … أصبح حزني عليك ألوانا

حزن اشتياق وحزن مرزئة … إذا انقضى عاد كالذي كانا

قوله: يا خير إخوانه محال وباطل، وذلك أنه لا يضاف أفعل إلى شيء إلا وهو جزء منه. وقال أيضاً:

دعوتك يا أخي فلم تجبني … فردت دعوتي حزناً عليا

بموتك ماتت اللذات مني … وكانت حية إذ كنت حيا

فيا أسفي عليك وطول شوقي … إليك لو أن ذاك يرد شيا

وقوف رجل على قبر عدوه

٣٢٦ / ٣٣٦