من أخبار من جزعوا عند الموت
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣وحدثني العباس بن الفرج الرياشي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري القاضي، في إسناد ذكره، قال: صلى متمم مع أبي بكر الصديق الفجر في عقب قتل أخيه؛ وكان أخوه خرج مع خالد مرجعه من اليمامة، يظهر الإسلام، فظن به خالد غير ذلك، فأمر ضرار بن الأزور الأسدي فقتله، وكتان مالك من أرداف الملوك، ومن متقدمي فرسان بني يربوع، قال: فلما صلى أبو بكر قام متمم بحذائه، واتكأ على سية قوسه، ثم قال:
نعم القتيل إذا الريح تناوحت … خلف البيوت، قتلت يا بن الأزور
ولنعم حشو الدرع كنت وخاسراً … ولنعم مأوى الطارق المتنور
أدعوته بالله ثم غررته … لو هو دعاك بذمة لم يغدر
وأومأ إلى أبي بكر، فقال: والله ما دعوته ولا غررته، ثم أتم شعره، فقال:
لا يمسك الفحشاء تحت ثيابه … حلو شمائله عفيف المئزر
ثم بكى وانحط على سية قوسه - وكان أعور دميماً - فما زال يبكي حتى دمعت عينه العوراء، فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: لوددت أني رثيت أخي زيداً بمثل ما رثيت به مالكاً أخاك! فقال يا أبا حفص! والله لو علمت أن أخي صار بحيث صار أخوك ما رثيته، فقال عمر: ما عزاني أحد بمثل تعزيتك. وكان زيد بن الخطاب قتل شهيداً يوم اليمامة، وكان عمر بثول: إني لأهش للصبا؛ لأنها تأتينا من ناحية زيد. ويروى عن عمر أنه قال: لو كنت أقول الشعر كما تقول؛ لرثيت أخي كما رثيت أخاك. ويروى أن متمماً رثى زيداً فلم يجد، فقال له عمر: لم ترث زيداً كما رثيت أخاك مالكاً! فقال: لأنه والله يحركني لمالك ما لا يحركني لزيد.
ومن طريف شعره:
لعمري وما دهري بتأبين هالك … ولا جزع والموت يذهب بالفتى
لئن مالك خلى علي مكانه … لفي إسوة إن كنت باغية الأسا
كهول ومرد من بني عم مالك … وأيفاع صدق قد تمليتهم رضا
سقوا بالعقار الصرف حتى تتابعوا … كدأب ثمود إذ رغا سقيهم ضحى
إذا القوم قالوا: من فتى لملمة … فما كلهم يدعى، ولكنه الفتى
ومثل هذا الشعر قول النهشلي:
لو كان في الألف منا واحد فدعوا … من فارس؟ خالهم إياه يعنونا
وأول هذا المعنى لطرفة:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني … عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
وقال متمم أيضاً في كلمة له يرثي بها مالكاً:
جميل المحيا ضاحك عند ضيفه … أغر جميع الرأي مشترك الرحل
وقوراً إذا القوم الكرام تقاولوا … فحلت حباهم واستطيروا من الجهل
وكنت إلى نفسي أشد حلاوة … من الماء بالماذي من عسل النحل
وكل فتى في الناس بعد ابن أمه … كساقطة إحدى يديه من الخبل
وبعض الرجال نخلة لا جنى لها … ولا ظل إلا أن تعد من النخل
وقال له عمر بن الخطاب: إنك لجزل؛ فأين كان أخوك منك؟ فقال: كان والله في الليلة المظلمة ذات الأزير والصراد، يركب الجمل الثفال، ويجنب الفرس الجرور، وفي يده الرمح الثقيل، وعليه الشملة الفلوت، وهو بين المزادتين حتى يصبح، فيصبح أهله متبسماً.
الجمل الثفال: البطيء الذي لا يكاد ينبعث.
والفرس الجرور: الذي لا يكاد ينقاد مع من يجنبه، إنما يجر الحبل، والشملة الفلوت: التي لا تكاد تثبت على لابسها.
وذكر لنا أن مالكاً كان من أرداف الملوك، وفي تصداق ذلك يقول جرير يفخر ببني يربوع:
منهم عتيبة والمحل وقعنب … والحنتفان ومنهم الردفان
فأحد الردفين مالك بن نويرة اليربوعي، والردف الآخر من بني رياح بن يربوع. وللردافة موضعان: أحدهما أن يردفه الملك على دابته في صيد أو تريف أو ما أشبه ذلك من مواضع الأنس، والوجه الآخر أنبل، وهو أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم فينظر بين الناس بعده.
باب
من أخبار من جزعوا عند الموت
قال أبو العباس: لما احتضر إبراهيم النخعي رحمه الله، جزع جزعاً شديداً، فقيل له في ذلك، فقال: وأي خطر أعظم من هذا! إنما أتوقع رسولاً يرد على من ربي، إما بالجنة وإما بالنار.
ولما احتضر بان سيرين، جعل يقول: نفسي واله أعز الأنفس علي.