مرثية ابن مناذر لعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي
الجزء ١ · صفحة ٣١٨أيا جارتا إن الخطوب قريب … من الناس، كل المخطئين تصيب
أيا جارتا إنا غريبان ها هنا … وكل غريب للغريب نسيب
كأني وقد أدنوا إلي شفارهم … من الأدم مصقول السراة نكيب
مرثية ابن مناذر لعبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي
قال أبو العباس: ومن حلو المراثي وحسن التأبين شعر ابن مناذر، فإنه كان رجلاً عالماً مقدماً وشاعراً مفلقاً، وخطيباً مصقعاً، وفي دهر قريب، فله في شعره شدة كلام العرب بروايته وأدبه، وحلاوة كلام المحدثين بعصره ومشاهدته ولا يزال، وقد رمى في شعره بالمثل السائر، والمعنى اللطيف، واللفظ الفخم الجليل، والقول المتسق النبيل، وقصيدته لها امتداد وطول، وإنما نملي ما اخترنا من نحو ما وصفنا.
قال يرثي عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي - وكان به صباً، واعتبط عبد المجيد لعشرين سنة من غير ما علة، وكان من أجمل الفتيان وآدبهم وأظرفهم، فذلك حيث يقول ابن مناذر:
حين تمت آدابه وتردى … برداء من الشباب جديد
وسقاه ماء الشبيبة فاهت … ز اهتزاز الغصن الندي الأملود
وسمت نحوه العيون وما كا … ن عليه لزائد من مزيد
وكأني أدعوه وهو قريب … حين أدعوه من مكان بعيد
فلئن صار لا يجيب لقد كا … ن سميعاً هشا إذا هو نودي
يا فتى كان للمقامات زيناً … لا أراه في المحفل المشهود
لهف نفسي أما أراك، وما عن … دك لي إن دعوت من مردود!
كان عبد المجيد سم الأعادي … ملء عين الصديق رغم الحسود
عاد عبد المجيد رزءاً وقد كا … ن رجاء لريب دهر كنود
خنتك الود لم أمت كمداً بع … دك إني عليك حق جليد
لو فدى الحي ميتاً لفدت نف … سك نفسي بطارفي وتليدي
ولئن كنت لم أمت من جوى الحز … ن عليه لأبلغن مجهودي
لأقيمن مأتماً كنجوم اللي … ل زهراً يلطمن حر الخدود
موجعات يبكين للكبد الح … رى عليه وللفؤاد السعيد
ولعين مطروفة أبداً قا … ل لها الدهر: لا تقري وجودي
كلما عزك البكاء فأنفذ … ت لعبد المجيد سجلا فعودي
لفتى يحسن البكاء عليه … وفتى كان لامتداح القصيد
وأول هذا الشعر:
كل حي لاقي الحمام فمودي … ما لحي مؤمل من خلود
لا تهاب المنون شيئاً ولا ترعي … على والد ولا مولود
يقدح الدهر في شماريخ رضوى … ويحط الصخور من هبود
ولقد تترك الحوادث وال … أيام وهياً في الصخرة الصيخود
وفي هذا الشعر مما استحسنته:
أين رب الحصن الحصين بسورا … ء ورب القصر المنيف المشيد
شاد أركانه وبوبه با … بي حديد وحفه بجنود
كان يجبى إليه ما بين صنعا … ء فمصر إلى قرى بيرود
وترى خلفه زرافات خيل … جافلات تعدو بمثل الأسود
فرمى شخصه فأقصده الدهر … ر بسهم من المنايا سديد
ثم لم ينجه من الموت حصن … دونه خندق وبابا حديد
وملوك من قبله عمروا الأر … ض أعينوا بالنصر والتأييد
فلو أن الأيام أخلدن حياً … لعلاء أخلدن عبد المجيد
ما درى نعشه ولا حاملوه … ما على النعش من عفاف وجود!
ويح أيد حثت عليه وأيد … دفنته، ما غيبت في الصعيد!
إن عبد المجيد يوم تولى … هد ركناً ما كان بالمهدود
وأرانا كالزرع يحصده الده … ر فمن بين قائم وحصيد
وكأنا للموت ركب مخبو … ن سراعاً لمنهل مورود