الكامل في اللغة والأدب محمد بن يزيد المبرد

مراثي متمم بن النويرة في أخيه مالك

الجزء ١ · صفحة ٣٢١

يقول: لا يسبقهم إلى شيء من الزاد.

وقوله:

ولا يعض على شرسوفه الصفر

الشراسيف: أطراف الضلوع، ولاصفر: ها هنا: حية البطن، وله مواضع. وقوله: مهفهف يعني ضامراً، وأهضم الكشحين توكيد له.

وقوله:

إما يصبك عدو في مباوأة

يقول: في وتر، يقال: باء فلان بكذا، كما قال مهلهل: بؤ بشسع كليب. أي هو ثأر بالشسع.

والطُّخيةُ، والطَّخيةُ، والطِّخية، ثلاث لغات: شدة الظلمة، وكان الذي أصابه هند بن أسماء الحارثي، ففي ذلك يقول:

أصبت في حرم منا أخا ثقة … هند بن أسماء لا يهنئ لك الظفر

يقال: هنأ له، كما تقول هنياً له، قال الأخطل:

إلى إمام تغادينا فواضله … أظفره الله فليهنئ له الظفر

وقوله:

وليس فيه إذا غامرته عسر

مدح شريف، مثل قولهم: " إذا عز أخوك فهن " ؛ وإنما هذا فيمن لا يخاف استذلاله، بأن يخرج صاحبه عند مساهلته إلى باب الذل، فأما من كان كذلك فمعاسرته أحمد. ومدافعته أمدح، كما قال جرير:

بشر أبو مروان إن عاسرته … عسر، وعند يساره ميسور

مراثي متمم بن النويرة في أخيه مالك

قال أبو العباس: ومن أشعار العرب المشهورة المتخيرة في المراثي قصيدة متمم بن نويرة في أخيه مالك، وسنذكر منها أبياتاً نختارها، من ذلك قوله:

أقول وقد طتار السنا في ربابه … وغيث يسح الماء حتى تريعا

سقى الله أرضاً حلها قبر مالك … ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا

وأثر سيل الواديين بديمة … ترشح وسمياً من النبت خروعا

تحيته مني وإن كان نائياً … وأضحى تراباً فوقه الأرض ومصرعا

يذكرن ذا البث الحزين ببثه … إذا حنت الأولى سجعن لها معا

بأوجع مني يوم فارقت مالكاً … ونادى به الناعي الرفيع فأسمعا

وفيها:

وكنا كندماني جذيمة حقبة … من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفرقنا كأني ومالكاً … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا

وعشنا بخير في الحياة وقبلنا … أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا

فإن تكن الأيام فرقن بيننا … فقد بان محموداً أخي يوم ودعا

قتول ابنة العمري مالك بعدما … أراك حديثاً ناعم البال أفرعا

فقلت لها طول الأسى إذ سألتني … ولوعة حزن تترك الوجه أسفعا

وفقد بني أم تفانوا فلم أكن … خلافهم أن أستكين وأضرعا

ولست إذا ما الدهر أحدث نكبة … ورزاء بزوار القرائب أخضعا

ولا فرح إن كنت يوماً بغبطة … ولا جزع إن ناب دهر فأوجعا

ولكنني أمضي على ذاك مقدماً إذا بعض من لاقى الخطوب تكعكعا

فعمرك ألا تسمعيني ملامة … ولا تنكثي قرح الفؤاد فييجعا

وقصرك إني قد شهدت فلم أجد … بكفي عنه للمنية مدفعا

فلو أن ما ألقى أصاب متالعاً … أو الركن من سلمى إذاً لتضعضا

وفي هذه القصيدة:

لقد كفن المنهال تحت ردائه … فتى غير مبطان العشيات أروعا

ولا برم تهدي النساء لعرسه … إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا

لبيباً أعان اللب منه سماحة … خصيباً إذا ما زائد الجدب أوضعا

تراه كنصل السيف يهتز للندى … إذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا

إذا ابتدر القوم القداح وأوقدت … لهم نار أيسار كفي من تضجعا

بمثنى الأيادي ثم لم تلف مالكاً … على الفرث يحمي اللحم أن يتمزعا

قوله: وقد طار السنا في ربابه، السنا: الضوء، وهو مقصور، قال جل وعز: " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار " النور 43. والسناء، من الحسب ممدود. والرباب: سحاب دون السحاب كالمتعلق بما فوق. قال المازني:

كأن الرباب دوين السحاب … نعام تعلق بالأرجل

وقوله: يسح معناه يصب، فإذا قلت: يسحو، أو يسحى، فمعناه يقشر، ومن ذا سميت سحاءة القرطاس وسحابته، ومنه قيل للحديدة التي يقشر بها وجه الأرض مسحاة، قال عنترة:

٣٢١ / ٣٣٦