من مراثي الخنساء
الجزء ١ · صفحة ٣١٧وعاذلة هبت بليل تلومني … ألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا
تقول ألا تهجو فوارس هاشم … ومالي إذ أهجوهم ثم ماليا!
أبى الشتم أني قد أصابوا كريمتي … وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
إذا ما امرؤ أهدى لميت تحية … فحياك رب الناس عني معاويا
وهون وجدي أنني لم أقل له … كذبت، ولم أبخل عليه بماليا
قال أبو عبيدة: فلما أصاب دريداً زاد فيها:
وذي رحم قطعت أرحام بينهم … كما تركوني واحداً لا أخا ليا
قال أبو الحسن الأخفش: وزادني الأحول بعد قوله: معاويا:
لنعم الفتى أدنى ابن صرمة بزه … إذا راح فحل الشول أجدب عاريا
قال أبو العباس: فلما انقضت الأشهر الحرم جمع لهم ليغير عليهم، فنظرت غطفان إلى خليه بموضعها، فقال بعضهم لبعض: هذا صخر بن الشريد على فرسه السمى، فقيل: كلا! السمى غراءء، وهذه بهيمة، وكان قد حمم غرتهم، فأصاب فيهم، وقتل دريد بن حرملة. وأما هاشم، فإن قيس بن الأسوار الجشمي - من بني جشم بن بكر بن هوازن بن خصفة بن منصور، والخنساء من بني سليم بن منصور - لقيهم منصرفين؛ كل واحد منهم من وجهه، فرآه، وقد انفرد لحاجته، فقال: لا أطلب بمعاوية بعد اليوم، فأرسل عليه سهماً ففلق قحقحه فقتله، فقالت الخنساء:
فدى للفارس الجشمي نفسي … وأفديه بمن لي من حميم
فداك الحي حي بني سليم … بظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشم أقررت عيني … وكانت لا تنام ولا تنيم
فأما صخر فسندرك مقتله مع انقضاء ما نذكر من مراثي الخنساء إياه، قالت الخنساء:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني … لقد أضحكتني دهراً طويلا
بكيتك في نساء معولات … وكنت أق من أبدى العويلا
دفعت بك الجليل وأنت حي … فمن ذا يدفع الخطب الجليلا!
إذا قبح البكاء على قتيل … رأيت بكاءك الحسن الجميلا
وقالت أيضاً:
تعرفني الدهر نهساً وحزا … وأوجعني الدهر قرعاً وغمزا
وأفنى رجالي فبادوا معاً … فأصبح قلبي بهم مستفزا
كأن لم يكونوا حمى يتقى … إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
وكانوا سراة بني مالك … فخر العشيرة مجداً وعزا
وهم في القديم سراة الأدي … م والكائنون من الخوف حرزا
وهم منعوا جارهم والنسا … ء يحفز أحشاءها الخوف حفزا
عداة لقوهم بملومة … رداح تغادر للأرض ركزا
وخيل تكدس بالدارعي … ن تحت العجاجة يجمزن جمزا
ببيض الصفاح وسمر الرماح … فبالبيض ضرباً وبالسمر وخزا
جزرنا نواصي فرسانهم … وكانوا يظنون ألا تجزا
ومن ظن ممن يلاقي الحروب … بألا يصاب فقد ظن عجزا
نعف ونعرف حق القرى … ونتخذ الحمد ذخراً وكنزا
ونلبس طوراً ثياب الوغى … وطوراً بياضاً وعصباً وخزا
وكان سبب قتل صخر بن عمرو بن الشريد، أنه جمع جمعاً وأغار على بني أسد بن خزيمة، فنذروا به فالتقوا، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فارفض أصحاب صخر عنه. وطعن طعنة في جنبه استقل بها، فلما صار إلى أهله تعالج منها، فنتأ من الجرح كمثل اليد فأضناه ذلك حولا، فسمع سائلاً يسأل امرأته وهو يقول: كيف صخر اليوم؟ فقالت: لا ميت فينعى، ولا صحيح فيرجى! فعلم أنها قد برمت به، ورأى تحرق أمه عليه، فقال:
أرى أم صخر ما تجف دموعها … وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنارة … عليك، ومن يغتر بالحدثان!
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه … وقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد أنبهت من كان نائماً … وأسمعت من كانت له أذنان
فأي امرئ ساوى بأم حليلة فلا عاش إلا في شقي وهوان ثم عزم على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه، فبكاها فقال: