تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

12

الجزء ١٠ · صفحة ٢٣١

والظن والحسد ضروريان فلا يؤاخذ بهما إلا ان بغى أوحقق وليحذر أن يوصلاه الى الاثم .

﴿ إنّ بعْضَ الظَّنِّ أثمٌ ﴾ ذنب اذا عمل به ، بأن تحقق أو بنى عليه أمر سوء ، فهو كسم فى بعض طعام لا يدرى فى أيه هو فيجتنب كل ما يمكن أن يكون فيه ما لم يخلص عن ذلك ، وهذا البعض قيل : هو الكثير المذكور ﴿ ولا تَجسَّسوا ﴾ لا تبحثوا عن عورات الناس ، وتطلبوا أن تحسوها ، بالحاء المهملة ، أى تدروها بحاسة كالأذن ، كما قرأ الحسن وغيره بها ، وهما بمعنى ، وقيل بالجيم تتبع الظواهر وبالحاء تتبع البواطن ، وقيل : بالجيم أن تحبث بغيرك ، وبالمهملة بنفسك ، ذلك جائز هنا ، والصحيح ما مرَّ ولا يصح هنا ما قيل بالجيم فى الشر ، وبالمهلة فى الخير ، والظاهر جوازه ، وفى مسلم ، عن أبى هريرة أن النبى A قال : « لا يستر عبد عبدا فى الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة » وفى أبى داود ، عن عقبة بن عامر ، عن رسول الله A : « من رأى عورة وسترها كمن أحيا موءودة » .

قال نافع : نظر ابن عمر الى الكعبة فقال : ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك ، رواه الترمذى ، وفى البخارى ومسلم ، عن أبى هريرة ، عن رسول الله A : « اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا كما أمركم ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره ، التقوى ها هنا ، التقوى ها هنا ، التقوى ها هنا ، يشير الى صدره ، بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وعرضه وماله ، ان لا ينظر الى أجسادكم ، ولا الى صوركم وأعمالكم ، لكن ينظر الى قلوبكم . »

قال رسول الله A فى خطبة : « يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الايمان قلبه ، لا تتبعوا عورات المسلمين ، فان من تتبع عوراتهم فضحه الله تعالى فى قعر بيته » ورفع صوته حتى أسمع العواتق فى الخدور رواه البيهقى عن البراء بن عازب ، ومثله عن ابن عمر قال زيد بن وهب : قلت لابن مسعود : هل لك فى الوليد بن عقبة بن أبى معيط تقطر لحيته خمرا ، فقال : نهينا عن التجسس ، فان ظهر لنا شىء أخذنا به ، قلت : لعل زيد بن وهب أراد أن الوليد فى وقت مضى ، أو أراد أنه يعتاد ذلك ولم يرد أن ذلك عليه شهادة ، ولا أنه شاهد ومعه آخر .

وكان عمر رضى الله عنه يعس ، فسمع غناء فتسور البيت فوجد امرأة ورجلا وخمرا فقال : يا عدو الله ، أظننت أن الله يستر عصيانك؟ فقال : لا تعجل فقد عصيت الله بتجسسك واتيانك من غير الباب ، وبلا استئذان ولا سلام ، فقال : هل عندك خير ان عفوت عنك ، قال : نعم والخير ترك ما هو عليه ، وقال له رجل : فلان لا يصحو ، فقال له : اذا تهيأ للشرب فأتنى فأتياه وقد هيأه فاستاذنا فأزال الخمر فأذن لهما ، فقال له عمر : أجد رائحة الخمر ، فقال له : قد تجسست فخرج فتركه وحرس معه عبد الرحمن بن عوف ، فرأيا ضوءا فى بيت ربيعة ابن أمية ، فرجع وقال : أرى أنا تجسسنا ، واستدل بعض على جواز الستور على المنكر بقصتى عمر قبل هذه ، قلنا : لا دليل عليه ، لأنه قد أذعن الى أن ذلك تجسيس ، وترك ذلك ولا سيمان فى القصة الأخرة ، وكذا قيل له ، يكفى عمر ما رفع اليه فقبل .

٤٬٧٣١ / ٦٬٠٩٣