سورة مريم
الجزء ١٠ · صفحة ٣١٨لقد اعتاد البشر أن يجعلوا الشّيطان رمزا للشّرّ والضّلال، وبما أنه هو الذي يسوّل للنّاس بعبادة الأصنام وغيرها من دون الله، فعبادتها من عبادة الشّيطان، ومن طبيعة البشر أنهم يبغضون الشّيطان ويحذرون من كيده، فناسب أن يجيء التّذييل بقوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً) بأداة التّوكيد وفعل {كَانَ)، وصيغة المبالغة: {عَصِيّاً)، ثم اختيار صفة: {الرَّحْمَنِ) للذّات العلية. كلّ ذلك لزيادة التّنفير من مكائد الشّيطان لأنها تفضي إلى الحرمان من رحمة الله.
أما وقد أشفق إبراهيم من تعنّت أبيه فما يزال مترفقا في مجادلته. فحذّره من أن يصير من أولياء الشّيطان في حال ما إذا عجّل الله له بمسّ من العذاب، وفي ذلك حرمان من رحمة الله. ونلاحظ التّلطف مع الأب وكذا الأدب الرّفيع مع الله، إذ عبّر لإشفاقه بأبيه بأنّه يخاف أن يصيبه أدنى مسّ من العذاب، كما أنه متأدّب مع الله إذ لم يقطع بشيء في ما هو من تصرف الله وحده، فهو دائما في حالة رجاء. فهل استجاب الوالد لرغبة الولد وقد سدّ عليه مسالك الحجاج؟.
{قَالَ أَرَاغِبٌ اَنتَ عَنَ الِهَتِي يَآ إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً):
الاستفهام إنكاريّ، وفعل "رغب" يدلّ على المعنى وضدّه، وهو هنا قد تعدّى بـ"عن" فيدلّ على الصّدود والكره. وإضافة "آلهة" إلى ضمير المتكلم مع ضمير الفصل: "اَنتَ" يدلّ على شدة تمسّكه بتلك الآلهة، وأنّ واجب الابن أن لا يرغب عن طريقة أبيه. ويدلّ التّعبير عن الحالة الغضبية التي أفقدت الأب رشده فهدّد ابنه بالرّجم بما له من السّلطة الأبوية عليه. ولم يكن إبراهيم ليخيفه ذلك التّهديد فلم يخرج عن طوره في مقابلة التّهديد، سيما وقد هدأ غضب الأب فطلب من ولده أن يتركه برهة من الزّمن: {وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً).