نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة مريم

الجزء ١٠ · صفحة ٣١٧

{اِذْ قَالَ لأَبِيهِ): بمعنى: اذكر إبراهيم حين قال لأبيه. على اعتبار أنه رسول مكلّف بالتّبليغ وأبوه هو أولى من يبلّغ له. والاقتصار على وصف الأبوّة فيه تلطف وأدب رفيع إذ كرّر نداءه بها أربع مرات: {يَآ أَبَتِ). ومن شأن ذلك النّداء أن يسترعي انتباهه ويزول الحاجز التّقليديّ من الوقار والحشمة بينهما، ثم بادره ببيان فساد عبادته للأصنام في صورة الاستفهام الإنكاريّ ليتأمّل الواقع المشاهد من تلك الأصنام فهي لا تسمع ولا تبصر، وليس لها مظهر من مظاهر الحياة وبالتّالي فهي عاجزة أن تفيده بشيء، فلا يكون المعبود على تلك الصّفة فعبادتك لها إذن باطلة.

ويتدرج إبراهيم مع والده بأسلوب التّحنّن والتّلطف فيكرر نداءه بنفس الوصف: {يَآ أَبَتِ)، فنجده مترفقا في النّصيحة بما لا يثير حفيظته وهو كما قيل -كبير رجال ديانته- إذ قال له: {يَآ أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً).

فلم يتعاظم إبراهيم على أبيه بما عنده من العلم، ولم يصفه بالجهل، بل قصارى أمره أنه أخبره بما خصّه الله به من علم الهداية لم يكن عند أبيه. والتّعبير بقوله: {إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ) يدلّ على أنّ ذلك العلم لم يكن من عنده، بل جاءه ممن هو أعلى منهما جميعا، فهو يهدي إلى الصّراط السّويّ. وهو أحق أن يتبع.

{يَآ أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً، يَآ أَبَتِ إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يَّمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً).

٣٬١٦٦ / ٦٬٧٦٧